الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 1254 ] (سورة الأعراف : الآيات 1 إلى 9 )

بسم الله الرحمن الرحيم

المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2 ) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3 ) وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4 )

فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين
(5 ) فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (6 ) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7 ) والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8 ) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9 )

" المص " . . ألف . لام ميم . صاد . .

هذا المطلع من الحروف المقطعة سبق الكلام عن نظائره في أول سورة البقرة وفي أول سورة آل عمران .

وقد اخترنا في تفسيرها الرأي القائل ، بأنها حروف مقطعة يشير بها إلى أن هذا القرآن مؤلف من جنس هذه الأحرف العربية التي يستخدمها البشر ، ثم يعجزهم أن يؤلفوا منها كلاما كهذا القرآن . وأن هذا بذاته برهان أن هذا القرآن ليس من صنع البشر ، فقد كانت أمامهم الأحرف والكلمات التي صيغ منها ، فلم يستطيعوا أن يصوغوا منها قرآنا مثله . فلا بد من سر آخر وراء الأحرف والكلمات . . وهو رأي نختاره على وجه الترجيح لا الجزم . والله أعلم بمراده .

وعلى ذلك يصح القول بأن " المص " مبتدأ خبره : كتاب أنزل إليك . . بمعنى أن هذه الأحرف وما تألف منها هي الكتاب . . كما يصح القول بأن " المص " مجرد إشارة للتنبيه على ذلك المعنى الذي رجحناه . و " كتاب " خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو كتاب : أو هذا كتاب . .

كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به ، وذكرى للمؤمنين . .

كتاب أنزل إليك للإنذار به والتذكير . . كتاب للصدع بما فيه من الحق ولمواجهة الناس بما لا يحبون ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات ولمعارضة نظم وأوضاع ومجتمعات . فالحرج في طريقه كثير ، والمشقة في الإنذار به قائمة . . لا يدرك ذلك - كما قلنا في التعريف بالسورة - إلا من يقف بهذا الكتاب هذا الموقف [ ص: 1255 ] وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها ، وفي مظاهرها وفروعها ، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة - صلى الله عليه وسلم - ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها . .

وهذا الموقف ليس مقصورا على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك ، وما كان في الأرض من حولها . .

إن الإسلام ليس حادثا تاريخيا ، وقع مرة ، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه ! . . إن الإسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية إلى يوم القيامة . . وهو يواجهها كما واجهها أول مرة ، كلما انحرفت هي وارتدت إلى مثل ما كانت فيه أول مرة ! . . إن البشرية تنتكس بين فترة وأخرى وترجع إلى جاهليتها - وهذه هي " الرجعية " البائسة المرذولة - وعندئذ يتقدم الإسلام مرة أخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه " الرجعية " مرة أخرى كذلك والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة ويتعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأول - صلى الله عليه وسلم - وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من الارتكاس في وحل الجاهلية والغيبوبة في ظلامها الطاغي ! ظلام التصورات . وظلام الشهوات . وظلام الطغيان والذل . وظلام العبودية للهوى الذاتي ولأهواء العبيد أيضا ! ويتذوق من يتعرض لمثل هذا الحرج ، وهو يتحرك لاستنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية ، طعم هذا التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم :

كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين . .

ويعلم - من طبيعة الواقع - من هم المؤمنون الذين لهم الذكرى ، ومن هم غير المؤمنين الذين لهم الإنذار .

ويعود هذا القرآن عنده كتابا حيا يتنزل اللحظة ، في مواجهة واقع يجاهده هو بهذا القرآن جهادا كبيرا . .

والبشرية اليوم في موقف كهذا الذي كانت فيه يوم جاءها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الكتاب ، مأمورا من ربه أن ينذر به ويذكر وألا يكون في صدره حرج منه ، وهو يواجه الجاهلية ، ويستهدف تغييرها من الجذور والأعماق . .

لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاءها هذا الدين ، وانتكست البشرية إلى جاهلية كاملة شاملة للأصول والفروع والبواطن والظواهر ، والسطوح والأعماق ! انتكست البشرية في تصوراتها الاعتقادية ابتداء - حتى الذين كان آباؤهم وأجدادهم من المؤمنين بهذا الدين ، المسلمين لله المخلصين له الدين - فإن صورة العقيدة قد مسخت في تصورهم ومفهومهم لها في الأعماق . .

لقد جاء هذا الدين ليغير وجه العالم ، وليقيم عالما آخر ، يقر فيه سلطان الله وحده ، ويبطل سلطان الطواغيت .

عالما يعبد فيه الله وحده - بمعنى " العبادة " الشامل - ولا يعبد معه أحد من العبيد . عالما يخرج الله فيه - من شاء - من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . عالما يولد فيه " الإنسان " الحر الكريم النظيف . . المتحرر من شهوته وهواه ، تحرره من العبودية لغير الله .

جاء هذا الدين ليقيم قاعدة : " أشهد أن لا إله إلا الله " التي جاء بها كل نبي إلى قومه على مدار التاريخ البشري - كما تقرر هذه السورة وغيرها من سور القرآن الكريم - وشهادة أن لا إله إلا الله ليس لها مدلول [ ص: 1256 ] إلا أن تكون الحاكمية العليا لله في حياة البشر ، كما أن له الحاكمية العليا في نظام الكون سواء . فهو المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره ، وهو المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشريعته . . وبناء على هذه القاعدة لا يعتقد المسلم أن لله شريكا في خلق الكون وتدبيره وتصريفه ولا يتقدم المسلم بالشعائر التعبدية إلا لله وحده .

ولا يتلقى الشرائع والقوانين ، والقيم والموازين ، والعقائد والتصورات إلا من الله ، ولا يسمح لطاغوت من العبيد أن يدعي حق الحاكمية في شيء من هذا كله مع الله .

هذه هي قاعدة هذا الدين من ناحية الاعتقاد . . فأين منها البشرية كلها اليوم؟

إن البشرية تنقسم شيعا كلها جاهلية .

شيعة ملحدة تنكر وجود الله أصلا وهم الملحدون . . فأمرهم ظاهر لا يحتاج إلى بيان ! وشيعة وثنية تعترف بوجود إله ، ولكنها تشرك من دونه آلهة أخرى وأربابا كثيرة . كما في الهند ، وفي أواسط إفريقية ، وفي أجزاء متفرقة من العالم .

وشيعة " أهل كتاب " من اليهود والنصارى . وهؤلاء أشركوا قديما بنسبة الولد إلى الله . كما أشركوا باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله - لأنهم قبلوا منهم ادعاء حق الحاكمية وقبلوا منهم الشرائع .

وإن كانوا لم يصلوا لهم ولم يسجدوا ولم يركعوا أصلا ! . . ثم هم اليوم يقصون حاكمية الله بجملتها من حياتهم ويقيمون لأنفسهم أنظمة يسمونها " الرأسمالية " و " الاشتراكية " . . وما إليها . ويقيمون لأنفسهم أوضاعا للحكم يسمونها " الديمقراطية " و " الديكتاتورية " . . . وما إليها . ويخرجون بذلك عن قاعدة دين الله كله ، إلى مثل جاهلية الإغريق والرومان وغيرهم ، في اصطناع أنظمة وأوضاع للحياة من عند أنفسهم .

وشيعة تسمي نفسها " مسلمة " ! وهي تتبع مناهج أهل الكتاب هذه - حذوك النعل بالنعل ! - خارجة من دين الله إلى دين العباد . فدين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي يضعه للحياة وقانونه . ودين العباد هو منهجهم للحياة وشرعهم ونظامهم الذي يضعونه للحياة وقوانينهم ! لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين للبشرية وانتكست البشرية بجملتها إلى الجاهلية . . شيعها جميعا لا تتبع دين الله أصلا . . وعاد هذا القرآن يواجه البشرية كما واجهها أول مرة ، يستهدف منها نفس ما استهدفه في المرة الأولى من إدخالها في الإسلام ابتداء من ناحية العقيدة والتصور . ثم إدخالها في دين الله بعد ذلك من ناحية النظام والواقع . . وعاد حامل هذا الكتاب يواجه الحرج الذي كان يواجهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يواجه البشرية الغارقة في مستنقع الجاهلية ، المستنيمة للمستنقع الآسن ، الضالة في تيه الجاهلية ، المستسلمة لاستهواء الشيطان في التيه ! . . وهو يستهدف ابتداء إنشاء عقيدة وتصور في قلوب الناس وعقولهم تقوم على قاعدة : أشهد أن لا إله إلا الله . وإنشاء واقع في الأرض آخر يعبد فيه الله وحده ، ولا يعبد معه سواه . وتحقيق ميلاد للإنسان جديد ، يتحرر فيه الإنسان من عبادة العبيد ، ومن عبادة هواه ! إن الإسلام ليس حادثا تاريخيا ، وقع مرة ، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه . . إنه اليوم مدعو لأداء دوره الذي أداه مرة في مثل الظروف والملابسات والأوضاع والأنظمة والتصورات والعقائد والقيم والموازين والتقاليد . . . التي واجهها أول مرة .

إن الجاهلية حالة ووضع وليست فترة تاريخية زمنية . . والجاهلية اليوم ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض ، وفي كل شيع المعتقدات والمذاهب والأنظمة والأوضاع . . إنها تقوم ابتداء على قاعدة : " حاكمية العباد للعباد " ، ورفض حاكمية الله المطلقة للعباد . . تقوم على أساس أن يكون " هوى الإنسان " في أية [ ص: 1257 ] صورة من صوره هو الإله المتحكم ، ورفض أن تكون " شريعة الله " هي القانون المحكم . . ثم تختلف أشكالها ومظاهرها ، وراياتها وشاراتها ، وأسماؤها وأوصافها ، وشيعها ومذاهبها . . غير أنها كلها تعود إلى هذه القاعدة المميزة المحددة لطبيعتها وحقيقتها . .

وبهذا المقياس الأساسي يتضح أن وجه الأرض اليوم تغمره الجاهلية . وأن حياة البشرية اليوم تحكمها الجاهلية . وأن الإسلام اليوم متوقف عن " الوجود " مجرد الوجود ! وأن الدعاة إليه اليوم يستهدفون ما كان يستهدفه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تماما ويواجهون ما كان يواجهه - صلى الله عليه وسلم - تماما ، وأنهم مدعوون إلى التأسي به في قول الله - سبحانه - له :

كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين . .

ولتوكيد هذه الحقيقة وجلائها نستطرد إلى شيء قليل من التفصيل :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث