الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ضمان الدرك

جزء التالي صفحة
السابق

( والمذهب صحة ضمان الدرك ) بفتح الراء وسكونها وهو التبعة : أي المطالبة سمي به لالتزامه الغرامة عند إدراك المستحق عين ماله ويسمى ضمان العهدة وإن لم يكن ثابتا لمسيس الحاجة إليه في نحو غريب لو خرج مبيعه أو ثمنه مستحقا لم يظفر به ، على أنه ليس من ضمان ما لم يجب مطلقا ; لأن المقابل لو خرج عما شرط تبين وجوب رد المضمون ( بعد قبض ) ما يضمن من ( الثمن ) في التصوير الآتي والمبيع فيما يذكره بعد ; لأنه إنما يدخل في ضمان البائع حينئذ وقبل القبض ، وكذا معه كما هو ظاهر كلامهم لم يتحقق ذلك ، فخرج ما لو باع الحاكم عقار غائب للمدعي بدينه فلا يصح أن يضمن له دركه لعدم القبض ونحوه ، وأفتى ابن الصلاح بأنه لو أجر المدين وقفا عليه بدينه وضمن ضامن دركه فبان بطلان الإجارة لم يلزم الضامن شيء من الأجرة لبقاء الدين الذي هو أجرة بحاله فلم يفوت عليه شيئا ( وهو أن يضمن للمشتري الثمن ) وقد علم قدره ( إن خرج المبيع مستحقا ) أو مأخوذا بشفعة كبيع سابق ( أو معيبا ) ورده المشتري ( أو ناقصا لنقص الصنجة ) بفتح الصاد ، وفي [ ص: 440 ] نسخة بدل اللام كاف فيشمل نقص القدر ونقص الصفة المشروطة كما لو باعه بشرط كونه من نوع كذا وضمن ضامن عهدة ذلك وأل في الثمن للجنس فشمل كله كما تقرر وما لو ضمن بعضه إن خرج بعض مقابله مستحقا أو معيبا أو ناقصا لنقص صنجة أو صفة وحينئذ فلا اعتراض عليه وإن صوره جمع بغير ذلك لخروجه عما الكلام فيه ، ولو أطلق ضمان العهدة أو الدرك اختص بما إذا خرج بالثمن المعين مستحقا ; إذ هو المتبادر لا ما خرج فاسدا بغير الاستحقاق ، وذكر الضمان للمشتري كأنه للغالب لصحته للبائع بأن يضمن له المبيع بعد قبض المشتري له إن خرج الثمن المعين مستحقا مثلا ، ولو ضمن للمستأجر أو الأجير الدرك صح أيضا على وزان ما ذكر ، ومثله ضمان درك زيف أو نقص صنجة ما قبض من الدين ، قاله الماوردي .

قال : فإن طلب الضامن أن يعطيه المؤدى ليبدله له لم يعطه : أي بل يبدله له ويبقى نحو المعيب في يده حتى يأتي مالكه .

قيل : ويؤخذ من ذلك ضعف قول الأنوار : ولا يطالب البائع الضامن قبل رد نحو المعيب للمشتري ، وفيه نظر لإمكان حمل كلامه على عدم مطالبته قبل وجود الرد المقتضي للمطالبة بالأصالة ، بل كلامهم صريح في أنه لا بد في المطالبة من رده بعيب أو نحوه مما ضمنه .

واعلم أن متعلق ضمان الدرك عين المبيع أو الثمن إن بقي وسهل رده وبدله : أي قيمته إن عسر رده للحيلولة ، ومثل المثلي وقيمة المتقوم إن تلف ، وتعلقه بالبدل أظهر ; لأنه على غير قاعدة ضمان الأعيان ، ومن صحة الضامن الدرك يغرم بدل العين عند تلفها ، بخلاف ضامن العين المغصوبة والمستعارة ، وقول المطلب ليس المضمون هنا رد العين : أي وحدها وإلا لزم أن لا تجب قيمتها عند التلف ، بل المضمون المالية عند تعذر الرد حتى لو بان الاستحقاق [ ص: 441 ] والثمن في البائع لا يطالب الضامن بقيمته ظاهر كلامهم يخالفه .

والحاصل أن ضمان العهدة يكون ضمان عين فيما إذا كان الثمن معينا باقيا لم يتلف ، وضمان ذمة فيما عدا ذلك ، ولا يجري ضمان الدرك في نحو الرهن كما بحثه الولي العراقي لأنه لا ضمان فيه

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : لو خرج ) أي بأن وجد فيه ما يقتضي الرد ( قوله : فيما يذكره ) أي في قوله وذكر الضمان للمشتري إلخ

( قوله : فلا يصح أن يضمن له دركه ) أي الثمن وهو الدين الذي في ذمة الغائب ، وقضية العلة أن مثل بيع القاضي ما لو باع المدين عقارا أو غيره لرب الدين بما له عليه من الدين

( قوله : ونحوه ) أي مما يصيره في ذمته ، وعبارة حج : ونحوه إفتاء ابن الصلاح وهي أولى ; لأن المصحح لضمان الدرك هو قبض العوض فقط ، ولم يبق فرد لقوله ونحوه

( قوله : وأفتى ابن الصلاح ) تأييد لما قبله

( قوله : لو أجر المدين ) أي لدائنه

( قوله : لبقاء الدين ) وقضية التعليل أن مثل الوقف غيره ، وأنه متى كان العوض دينا في ذمة المؤجر أو البائع لا يلزم الضامن شيء لبقاء حق المضمون له في ذمة خصمه ، ولعله إنما اقتصر على الوقف لكونه صورة الواقعة التي سئل عنها ابن الصلاح

( قوله : أو مأخوذا بشفعة ) صورته أن يشتري حصة من عقار ثم يبيعها لآخر ويقبض منه الثمن فيضمن للمشتري الثاني رد الثمن إن أخذها الشريك القديم بالشفعة

( قوله : بفتح الصاد ) ، والسين أفصح منها كما في القاموس ا هـ حج .

وفي [ ص: 440 ] المختار صنجة الميزان معرب .

ولا تقل سنجة

( قوله : أو الأجير ) انظر ما صورته ثم رأيت في سم على حج ما نصه : قوله وللمستأجر : أي بأن يضمن له درك الأجرة إن استحقت المنفعة ، وقوله أو الأجير لعل صورته ضمان درك المنفعة إن خرجت الأجرة مستحقة مثلا ، وقضية اعتبار قبض المضمون دركه توقف الصحة هنا على العمل كي تصير المنفعة مقبوضة فليراجع ا هـ .

وقد يقال : يكتفى بقبض العين التي تعلقت بها المنفعة ، وكذا يقال : يمكن تصوير مسألة الأجير بأن يضمن له الأجرة إن خرجت منفعة الأجير مستحقة ، ولعل هذا أولى مما صور به المحشي لأن المنفعة بعد استيفائها لا يمكن ردها

( قوله : في يده ) أي المضمون

( قوله : وفيه نظر ) أي قوله ويؤخذ من ذلك إلخ

( قوله : حمل كلامه ) أي الأنوار

( قوله : قبل وجود الرد ) فالمراد بالرد في عبارة الأنوار فسخ العقد

( قوله : أو الثمن إن بقي ) أي حيث كان معينا أخذا مما يأتي في قوله : والحاصل إلخ ، وعليه فلو تعذر إحضاره بلا تلف لا يجب على الضامن شيء لأن العين إذا تعذر إحضارها لم يجب على ملتزمها شيء ، نعم ضمان ما ذكر ، وإن كان ضمان عين [ ص: 441 ] يخالف ضمان العين في أنه إذا تلف يطالب ببدله ، والعين إذا تلفت لا يطالب بشيء

( قوله : ظاهر كلامهم يخالفه ) أي فيجب عليه رد بدل الثمن وإن كان باقيا في يد البائع ، وقضية قوله قبل عين المبيع إن بقي إلخ خلافه ، ومن ثم ذكر حج ما في الطلب كالتأييد لما قبله ، ولم يذكر قوله ظاهر كلامهم يخالفه .

[ فرع ] قال حج : ولو اختلف الضامن والبائع في نقص صنجة الثمن ولا بينة حلف الضامن لأصل براءة ذمته ، أو البائع والمشتري حلف البائع لأن ذمة المشتري كانت مشغولة ، وبحلف البائع يطالب المشتري وكذا الضامن إن أقر أو ثبت بحجة أخرى ا هـ : أي إن ادعى نقص الثمن وقياسه حلف المشتري إن ادعى نقص المبيع ، ثم قضية التعليل بقوله لأن ذمة المشتري إلخ أنه لو كان الثمن معينا أو المبيع وشرط كون وزنه أو ذرعه كذا ثم اختلف البائع والمشتري في كونه ناقصا عما قدر به أن المصدق المشتري إن ادعى البائع نقص الثمن ، والبائع إن ادعى المشتري نقص المبيع لعدم اشتغال ذمة كل منهما بشيء فليراجع .

ثم ما ذكر ظاهر إن كان الاختلاف بعد تلف المبيع أو الثمن ، أما مع بقائهما فيعاد تقدير ما وقع الخلاف فيه بكيله أو وزنه أو ذرعه ثانيا

( قوله : لأنه لا ضمان فيه ) أي ولأن العلة وهي فوات الحق منتفية فيه



حاشية المغربي

( قوله : في نحو غريب إلخ ) عبارة التحفة : في غريب ونحوه ممن لو خرج مبيعه أو ثمنه مستحقا إلخ ، فلعل لفظ ممن سقط من نسخ الشارح ( قوله : في ضمان البائع ) أي أو المشتري . ( قوله : فخرج ما لو باع الحاكم إلخ ) قال الأذرعي : وعلى قياسه لو باعها صاحبها بالدين الذي عليه وضمن الدرك لا يصح قال : وحاصله أنه لا يصح ضمان الدرك في الاعتياض عن الدين ا هـ . ( قوله : فلا يصح أن يضمن له دركه ) أي لا يصح ضمان العقار للمشتري ، وقوله : بعدم القبض : أي قبض الثمن ، وقوله : ونحوه بالرفع عطفا على ما لو باع وعبارة التحفة ونحوه أفتى ابن الصلاح ممدودا بغير عطف فهو مبتدأ وخبر .

( قوله : أو مأخوذا بشفعة إلخ ) عبارة التحفة : كأن خرج [ ص: 440 ] مرهونا أو مأخوذا بشفعة إلخ ، ولعل المعطوف عليه سقط من نسخ الشارح من الكتبة . ( قوله : ولو ضمن للمستأجر ) أي بأن يضمن له درك الأجرة فإن استحقت المنفعة ، وقوله : أو الأجير لعل صورته ضمان درك المنفعة إن خرجت الأجرة مستحقة مثلا ، وقضيته اعتبار قبض المضمون دركه توقف الصحة هنا على العمل كي تصير المنفعة مقبوضة فليراجع ، كذا في حواشي التحفة للشهاب سم ، قال الشيخ في الحاشية : وقد يقال يكتفى بقبض العين . ( قوله : واعلم أن متعلق ضمان الدرك إلخ ) أي فيما إذا كان الثمن في الذمة لما يأتي . ( قوله : وبدله ) أي قيمته إن عسر رده للحيلولة : أي ومثل المثلي وقيمة المتقوم إن تلف كما صرح به الشهاب حج . ( قوله : وقول المطلب ليس المضمون هنا ) أي في ضمان الثمن الذي في الذمة كما يعلم من شرح الروض ، وبالجملة فهذا المحل يحتاج إلى تحرير . ( قوله : أي وحدها إلخ ) هذا التفسير قد لا يلاقي آخر كلام المطلب ، على أنا إذا نظرنا لهذا التفسير في كلام المطلب لم يكن [ ص: 441 ] مخالفا لكلامهم فلا يتأتى قوله : فيه إنه مخالف لكلامهم . ( قوله : والحاصل إلخ ) هذا الحاصل لا يناسب ما قرره وإنما يناسب ما قرره الشهاب حج تبعا لشيخ الإسلام في هذا المقام كما يعلم بمراجعته



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث