الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله

[ ص: 136 ] ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد )

ثم قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )

الآية متعلقة بما قبلها من وجهين :

أحدهما : أنه تعالى لما استدل بخلق السماوات بغير عمد وبنعمه الظاهرة والباطنة بين أنهم معترفون بذلك غير منكرين له ، وهذا يقتضي أن يكون الحمد كله لله ; لأن خالق السماوات والأرض يحتاج إليه كل ما في السماوات والأرض ، وكون الحمد كله لله يقتضي أن لا يعبد غيره ، لكنهم لا يعلمون هذا .

والثاني : أن الله تعالى لما سلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم ) أي لا تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب عند رجوعهم إلينا ، قال : وليس لا يتبين إلا ذلك اليوم بل هو يتبين قبل يوم القيامة لأنهم معترفون بأن خلق السماوات والأرض من الله ، وهذا يصدقك في دعوى الوحدانية ويبين كذبهم في الإشراك ( فقل الحمد لله ) على ظهور صدقك وكذب مكذبيك ( بل أكثرهم لا يعلمون ) أي ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك .

وعلى هذا يكون لا يعلمون استعمالا للفعل مع القطع عن المفعول بالكلية ، كما يقول القائل : فلان يعطي ويمنع ولا يكون في ضميره من يعطي بل يريد أن له عطاء ومنعا ، فكذلك ههنا قال : ( لا يعلمون ) أي ليس لهم علم وعلى الأول يكون لا يعلمون له مفعول مفهوم ، وهو أنهم لا يعلمون أن الحمد كله لله ، والثاني أبلغ لأن قول القائل : فلان لا علم له بكذا ، دون قوله : فلان لا علم له ، وكذا قوله فلان لا ينفع زيدا ولا يضره ، دون قوله : فلان لا يضر ولا ينفع .

ثم قال تعالى : ( لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد )

ذكر بما يلزم منه ، وهو أنه يكون له ما فيهما ، والأمر كذلك عقلا وشرعا . أما عقلا فلأن ما في السماوات المخلوقة مخلوق ، وإضافة خلقه إلى من منه خلق السماوات والأرض لازم عقلا لأنها ممكنة ، والممكن لا يقع ولا يوجد إلا بواجب من غير واسطة كما هو مذهب أهل السنة ، أو بواسطة كما يقوله غيرهم ، وكيفما فرض فكله من الله ، لأن سبب السبب سبب .

وأما شرعا فلأن من يملك أرضا وحصل منها شيء ما ، يكون ذلك لمالك الأرض ، فكذلك كل ما في السماوات والأرض حاصل فيهما ومنهما ، فهو لمالك السماوات والأرض ، وإذا كان الأمر كذلك تحقق أن الحمد كله لله .

ثم قوله تعالى : ( إن الله هو الغني الحميد ) فيه معان لطيفة أحدها : أن الكل لله وهو غير محتاج إليه ، غير منتفع به ، وفيها منافع ، فهي لكم خلقها ، فهو غني لعدم حاجته ، حميد مشكور لدفعه حوائجكم بها .

وثانيها : أن بعد ذكر الدلائل على أن الحمد كله لله ، ولا تصلح العبادة إلا لله افترق المكلفون فريقين مؤمن وكافر ، والكافر لم يحمد الله والمؤمن حمده ، فقال : إنه غني عن حمد الحامدين فلا يلحقه نقص بسبب كفر الكافرين ، وحميد في نفسه ، فيتبين به إصابة المؤمنين ، وتكمل بحمده الحامدون .

وثالثها : هو أن السماوات وما فيها ، والأرض وما فيها ، إذا كانت لله ومخلوقة له ، فالكل محتاجون ، فلا غني إلا الله ، فهو الغني المطلق ، وكل محتاج ، فهو حامد لاحتياجه إلى من يدفع حاجته ، فلا يكون الحميد المطلق إلا الغني [ ص: 137 ] المطلق فهو الحميد ، وعلى هذا [ يكون ] الحميد بمعنى المحمود ، والله إذا قيل له الحميد لا يكون معناه إلا الواصف ، أي وصف نفسه أو عباده بأوصاف حميدة ، والعبد إذا قيل له حامد يحتمل ذلك المعنى ، ويحتمل كونه عابدا شاكرا له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث