الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( باب الأضحية ) قال رحمه الله تعالى اعلم بأن القرب المالية نوعان نوع بطريق التمليك كالصدقات ونوع بطريق الإتلاف كالعتق ويجتمع في الأضحية معنيان فإنه تقرب بإراقة الدم وهو إتلاف ، ثم بالتصدق باللحم وهو تمليك . قال ( وهي واجبة على المياسير والمقيمين عندنا ) . وذكر في الجامع عن أبي يوسف أنها سنة وهو قول الشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام { كتبت علي الأضحية ولم تكتب عليكم } .

وقال عليه الصلاة والسلام { خصصت بثلاث وهي لكم سنة الأضحية وصلاة الضحى والوتر } . وقال صلى الله عليه وسلم { ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم } عليه السلام وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يراها الناس واجبة .

وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه أنه ليغدو على ألف شاة ويراح فلا أضحي مخافة أن يراها الناس واجبة ، ولأنها لا تجب على المسافر وكل دم لا يجب على المسافر لا يجب على المقيم كالعتيرة ، وهذا ; لأنه لا يفرق بين المسافر والمقيم في العبادات المالية كالزكاة وصدقة الفطر ; لأنهما لا يستويان في ملك المال ، وإنما الفرق بينهما في البدن ; لأن المسافر يلحقه المشقة بالأداء بالبدن والدليل عليه أن يحل له التناول منه وإطعام الغني ، ولو كان واجبا لم يحل له التناول كما في جزاء الصيد ونحوه ، ولأن التقرب بالإتلاف لا يجب ابتداء بل بسبب من العبد كالعتق في الكفارات ، ولهذا أوجبنا الأضحية بالنذر . وحجتنا في ذلك قوله تعالى { فصل لربك وانحر } أي وانحر الأضحية والأمر يقتضي الوجوب .

وقال عليه الصلاة والسلام { من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا } وإلحاق الوعيد لا يكون إلا بترك الواجب . وقال عليه الصلاة والسلام { من ضحى قبل الصلاة فليعد ومن لم يضح فليذبح على اسم الله تعالى } والأمر يفيد الوجوب ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام ضحوا أمر وقوله فإنها سنة أبيكم إبراهيم أي طريقته فالسنة الطريقة في الدين ، وذلك لا ينفي الوجوب ، ولا حجة في قوله عليه الصلاة والسلام ولم تكتب عليكم فإنا نقول بأنها غير مكتوبة بل هي واجبة فالمكتوب ما يكون فرضا يكفر جاحده فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 9 ] مخصوصا بكون الأضحية مكتوبة عليه كما قال .

وتأويل حديث أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما لا يضحيان في حال الإعسار مخافة أن يراها الناس واجبة على المعسرين ، أو في حال السفر وهو تأويل حديث أبي مسعود رضي الله عنه ، ولا كلام في المسألة على سبيل المقايسة والعبادات لا تثبت قياسا ، ولكن على سبيل الاستدلال نقول هذه قربة يضاف إليها ، وفيها فتكون واجبة كالجمعة وبيان الوصف أنه يقال يوم الأضحى وتأثيره أن إضافة الوقت إليه لا تتحقق إلا وأن يكون موجودا فيه ، ولا يكون موجودا فيه لا محالة إلا وأن تكون واجبة لجواز أن يجتمع الناس على ترك ما ليس بواجب ، ولا يجتمعون على ترك الواجب ، وإن اجتمعوا على ذلك لم يخرج من أن يكون موجودا فيه استحقاقا .

ولجواز الأداء فيه لا يصير الوقت مضافا إليه كسائر الأيام يجوز فيها الصوم ، ثم لا يسمى شهر الصوم إلا رمضان فعرفنا أن إضافة الوقت إلى القربة تدل على وجوبها فيه ، وإنما لا تجب على المسافر لمعنى المشقة فإن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استصحاب ذلك في السفر ويفوت بمضي الوقت فلدفع المشقة لا تلزمه كالجمعة بخلاف سائر العبادات المالية وإباحة التناول بإذن من له الحق فإنه بالتضحية يجعلها الله تعالى ، وقد قال الله تعالى { فكلوا منها } ولما كان من جنس التقرب بالتمليك ما هو واجب ابتداء . فكذلك من جنس التقرب بالإتلاف ما هو واجب ابتداء ، وليس ذلك إلا في الأضحية ، وفي الوجوب بالنذر دليل على أن من جنسه واجبا شرعا فإن ما ليس من جنسه واجبا شرعا لا يصح التزامه بالنذر كعيادة المريض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث