الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

في الشركة بالدنانير والدراهم

في الشركة بالدنانير والدراهم قال ابن القاسم : قال مالك : في الشريكين ، يخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير ، ثم يشتركان بها . أنه لا خير في ذلك . قلت : ولا تجوز الشركة - في قول مالك - بالدراهم من عند هذا والدنانير من عند هذا ؟ قال : لا تجوز عند مالك . قلت : وأصل قول مالك في الشركة ، أنها لا تجوز ، إلا أن يكون رأس مالهما نوعا واحدا من الدراهم والدنانير ؟ قال : نعم .

قلت : أرأيت لو أن رجلين اشتركا ، جاء هذا بمائة دينار وجاء هذا بألف درهم ، جهلا ذلك ، فعملا على هذا حتى ربحا مالا ، كيف يصنعان في رأس مالهما ؟ قال : بلغني عن مالك أنه قال : يكون لكل واحد منهما رأس ماله ، ويضرب له ربحه على قدر ربح الدنانير للعشرة أحد عشر ، والدراهم مثله ، والوضيعة كذلك . بلغني عن مالك في الدنانير والدراهم ، إذا اشتركا : أنه لا خير فيه ، فإن فات ، كان لكل واحد منهما رأس ماله ، ويضرب له الربح على رأس ماله . قلت : فإن كان المتاع قائما بعينه ؟ قال : ذلك سواء كان قائما بعينه أو لم يكن قائما بعينه ، يباع ويقتسمانه ، فيأخذ هذا منه بقدر ألف درهم ، وهذا بقدر مائة دينار ، فإن كان فضل كان للعشرة دراهم درهم ، وللعشرة دنانير دينار ، وإن كانت وضيعة فعلى هذا أيضا يكون . والذي بلغني عن مالك أنه قيل له : فإن اشتركا على هذا كيف يكون ؟ قال : يكون لهذا رأس ماله من الذهب ، ولهذا رأس ماله من الدراهم ، ثم يقتسمان الربح على العشرة أحد عشر ، للدراهم : للعشرة دراهم درهم ، وللدنانير : للعشرة دنانير دينار . قال سحنون : وقد قال غيره : إن عرف ما اشترى بالدنانير ، وعرف ما اشترى بالدراهم ، فليس لواحد منهما شركة في سلعة صاحبه ، إلا أن تكون رءوس أموالهما لا تعتدل ، فيكون لصاحب القليل الرأس المال على صاحب الكثير الرأس المال أجرة مثله فيما أعانه به ، وإن لم يعلم ذلك - وفي المال فضل أو نقصان - قسم الفضل على قدر الدراهم من الدنانير ، إن كانت الدراهم من الدنانير يوم اشتركا النصف ، اقتسماه على النصف .

وإن كانت الثلث فعلى ذلك . ويرجع القليل الرأس المال على الكثير [ ص: 613 ] الرأس المال بأجر مثله فيما أعانه ، لأنه قد علم أن السلع بينهما على قدر رأس مال كل واحد منهما من صاحبه ، وإنما مثل ذلك مثل الطعام إذا اشتركا به شركة فاسدة ، فلم يعلم به حتى اختلطا واشتريا به ، فإنهما يقتسمان الربح على قدر قيمة قمح كل واحد منهما من قمح صاحبه ، على ما في صدر الكتاب . قلت : أرأيت إن أخرجت أنا ألف درهم ، وأخرج صاحبي مائة دينار ، فبعته خمسمائة درهم بخمسين دينارا ، فاشتركنا أيجوز هذا أم لا ؟ قال : لا يجوز هذا عند مالك . قلت : لم قال : لأن هذا صرف وشركة فلا يجوز وكذلك قال لي مالك : لا يجوز ولا خير فيه . قلت : فإن أخرج رجل خمسين دينارا وخمسمائة درهم ، وأخرج صاحبه خمسين دينارا وخمسمائة درهم ، فاشتركا جميعا ، أتجوز هذه الشركة في قول مالك أم لا ؟ قال : لا بأس بذلك عند مالك . قلت : ما فرق بين هذا وبين المسألة الأولى ؟ قال : لأن في الأولى مع الشركة صرف ، وهذه ليس فيها صرف . قلت : وكان مالك يجيز أن يشتركا ، من عند هذا ذهب وفضة ، ومن عند صاحبه ذهب وفضة ذهب مثل ذهب هذا ، وفضة مثل فضة هذا ؟ قال : نعم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث