الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الخامس رؤيته لربه صلى الله عليه وسلم

الفصل الخامس : رؤيته لربه - صلى الله عليه وسلم -

وأما رؤيته - صلى الله عليه وسلم - لربه - جل وعز - فاختلف السلف فيها ، فأنكرته عائشة - رضي الله عنها - .

[ ص: 236 ] [ حدثنا أبو الحسين سراج بن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه ، قال حدثني أبي ، وأبو عبد الله بن عتاب الفقيه ، قالا : حدثنا القاضي يونس بن مغيث ، حدثنا أبو الفضل الصقيلي ، حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت ، عن أبيه ، وجده ، قالا : حدثنا عبد الله بن علي ، حدثنا محمود بن آدم ، حدثنا ، وكيع ، عن ابن أبي خالد ، عن عامر ] عن مسروق أنه قال لعائشة - رضي الله عنها - يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقد قف شعري مما قلت . ثلاث من حدثك بهن فقد كذب : من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : لا تدركه الأبصار [ الأنعام : 103 ] ، وذكر الحديث .

وقال جماعة بقول عائشة - رضي الله عنها - ، وهو المشهور عن ابن مسعود .

ومثله عن أبي هريرة أنه قال : إنما رأى جبريل . واختلف عنه وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء ، والمتكلمين .

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه رآه بعينه . وروى عطاء عنه أنه رآه بقلبه .

وعن أبي العالية ، عنه : رآه بفؤاده مرتين .

وذكر ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - يسأله : هل رأى محمد ربه ؟ فقال : نعم .

والأشهر عنه أنه رأى ربه بعينه ، روي ذلك عنه من طرق ، وقال : إن الله - تعالى - اختص موسى بالكلام ، وإبراهيم بالخلة ، ومحمدا بالرؤية ، وحجته قوله - تعالى - : ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى [ النجم : 11 - 13 ] .

قال الماوردي : قيل : إن الله - تعالى - قسم كلامه ، ورؤيته بين موسى ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ، فرآه محمد مرتين ، وكلمه موسى مرتين .

وحكى أبو الفتح الرازي ، وأبو الليث السمرقندي الحكاية عن كعب . وروى [ ص: 237 ] عبد الله بن الحارث ، قال : اجتمع ابن عباس ، وكعب ، فقال ابن عباس : أما نحن بنو هاشم فنقول : إن محمدا قد رأى ربه مرتين ، فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ، وقال : إن الله قسم رؤيته ، وكلامه بين محمد وموسى ، فكلمه موسى ورآه محمد بقلبه .

وروى شريك عن أبي ذر - رضي الله عنه - في تفسير الآية ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه .

وحكى السمرقندي ، عن محمد بن كعب القرظي ، وربيع بن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : هل رأيت ربك ؟ قال : رأيته بفؤادي ، ولم أره بعيني .

وروى مالك بن يخامر ، عن معاذ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : رأيت ربي . . . وذكر كلمة ، فقال : يا محمد ، فيم يختصم الملأ الأعلى الحديث .

وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه .

وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة .

وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود .

وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة . هل رأى محمد ربه ؟ فقال : نعم .

وحكى النقاش ، عن أحمد بن حنبل : أنه قال : أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه رآه رآه حتى انقطع نفسه يعني نفس أحمد .

وقال أبو عمر : قال أحمد بن حنبل : رآه بقلبه ، وجبن [ ص: 238 ] عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار .

وقال سعيد بن جبير : لا أقول رآه ، ولا لم يره .

وقد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ، وابن مسعود ، فحكي عن ابن عباس ، وعكرمة : رآه بقلبه . وعن الحسن ، وابن مسعود : رأى جبريل . وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، أنه قال : رآه .

وعن ابن عطاء في قوله - تعالى - : ألم نشرح لك صدرك [ الشرح : 1 ] قال : شرح صدره للرؤية ، وشرح صدر موسى للكلام .

وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري - رضي الله عنه - ، وجماعة من أصحابه أنه رأى الله - تعالى - ببصره ، وعيني رأسه ، وقال : كل آية أوتيها نبي من الأنبياء - عليهم السلام - فقد أوتي مثلها نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، وخص من بينهم بتفضيل الرؤية .

ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال : ليس عليه دليل واضح ، ولكنه جائز أن يكون .

قال القاضي أبو الفضل وفقه الله : والحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته - تعالى - في الدنيا جائزة عقلا ، وليس في العقل ما يحيلها .

والدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى - عليه السلام - لها . ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله ، وما لا يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل ، ولكن وقوعه ، ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله ، فقال له الله - تعالى - : لن تراني [ الأعراف : 142 ] ، أي لن تطيق ، ولا تحتمل رؤيتي ، ثم ضرب له مثلا مما هو أقوى من بنية موسى ، وأثبت ، وهو الجبل .

وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا ، بل فيه جوازها على الجملة ، وليس في الشرح دليل قاطع على استحالتها ، ولا امتناعها ، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة .

ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله - تعالى - : لا تدركه الأبصار [ الأنعام : 103 ] ، لاختلاف التأويلات في الآية ، وإذ ليس يقتضي قول من قال في الدنيا الاستحالة .

وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية ، وعدم استحالتها على الجملة .

وقد قيل : لا تدركه أبصار الكفار ، وقيل : لا تدركه الأبصار [ الأنعام : 103 ] لا تحيط به ، وهو قول ابن عباس . وقد قيل : لا تدركه الأبصار ، وإنما يدركه المبصرون .

وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ، ولا استحالتها . وكذلك لا حجة لهم بقوله - تعالى - : لن تراني [ الأعراف : 142 ] . وقوله : تبت إليك [ الأعراف : 143 ] لما قدمناه ، ولأنها [ ص: 239 ] ليست على العموم ، ولأن من قال : معناها : لن تراني في الدنيا إنما هو تأويل .

وأيضا فليس فيه نص الامتناع ، وإنما جاءت في حق موسى ، وحيث تتطرق التأويلات ، وتتسلط الاحتمالات ، فليس للقطع إليه سبيل .

وقوله : تبت إليك أي من سؤالي ما لم تقدره لي .

وقد قال أبو بكر الهذلي في قوله : لن تراني أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا ، وأنه من نظر إلي مات .

وقد رأيت لبعض السلف ، والمتأخرين ما معناه : أن رؤيته - تعالى - في الدنيا ممتنعة ، لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم وكونها متغيرة غرضا للآفات ، والفناء ، فلم تكن لهم قوة على الرؤية ، فإذا كان في الآخرة ، وركبوا تركيبا آخر ، ورزقوا قوى ثابتة باقية ، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية .

وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس - رحمه الله - ، قال : لم ير في الدنيا ، لأنه باق ، ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ، ورزقوا أبصارا باقية رئي الباقي بالباقي .

وهذا كلام حسن مليح ، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة ، فإذا قوى الله - تعالى - من شاء من عباده ، وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه .

وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى ، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ، ونفوذ إدراكها بقوة إلهية منحها لإدراك ما أدركاه ، ورؤية ما رأياه . والله أعلم .

وقد ذكر القاضي أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين ما معناه : إن موسى - عليه السلام - رأى الله ، فلذلك خر صعقا ، وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له ، واستنبط ذلك ، والله أعلم ، من قوله : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني [ الأعراف : 143 ] . ثم قال : [ ص: 240 ] فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا [ الأعراف : 143 ] .

وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه على هذا القول .

وقال جعفر بن محمد : شغله بالجبل حتى تجلى ، ولولا ذلك لمات صعقا بلا إفاقة .

وقوله هذا يدل على أن موسى رآه .

وقد وقع لبعض المفسرين في الجبل أنه رآه ، وبرؤية الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا له ، إذ جعله دليلا على الجواز . ولا مرية في الجواز ، إذ ليس في الآيات نص بالمنع .

وأما وجوبه لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ، والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضا ، ولا نص إذ المعول فيه على آيتي [ النجم ] ، والتنازع فيهما مأثور ، والاحتمال لهما ممكن ، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك .

وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيجب العمل باعتقاد مضمنه .

ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية .

وحديث معاذ محتمل للتأويل ، وهو مضطرب الإسناد ، والمتن .

وحديث أبي ذر مختلف محتمل مشكل . فروي : [ نور أنى أراه ] .

وحكى بعض شيوخنا أنه روي [ نوراني أراه ] .

وفي حديثه الآخر : سألته ، فقال : [ رأيت نورا ] ، وليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية ، فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو قد أخبر أنه لم ير الله ، وإنما رأى نورا منعه ، وحجبه عن رؤية الله .

وإلى هذا يرجع قوله : [ نوراني أراه ] أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر ، وهذا مثل باقي الحديث الآخر : حجابه النور .

وفي [ ص: 241 ] الحديث الآخر : لم أره بعيني ، ولكن رأيته بقلبي مرتين ، وتلا : ثم دنا فتدلى [ النجم : 8 ] والله قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب ، أو كيف شاء ، لا إله غيره .

فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه ، إذ لا استحالة فيه ، ولا مانع قطعي يرده ، والله الموفق للصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث