الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


التالي السابق


[ ص: 122 ] أي هذا باب في بيان أمور الإيمان فيكون ارتفاع باب على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمراد بالأمور هي الإيمان لأن الأعمال عنده هي الإيمان، فعلى هذا الإضافة فيه بيانية، ويجوز أن يكون التقدير باب الأمور التي للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، فعلى هذا الإضافة بمعنى اللام.

وفي رواية الكشميهني: باب أمر الإيمان. بالإفراد على إرادة الجنس، وقال ابن بطال: التصديق أول منازل الإيمان والاستكمال إنما هو بهذه الأمور. وأراد البخاري الاستكمال، ولهذا بوب أبوابه عليه فقال: باب أمور الإيمان، وباب الجهاد من الإيمان، وباب الصلاة من الإيمان، وباب الزكاة من الإيمان. وأراد بهذه الأبواب كلها الرد على المرجئة القائلين بأن الإيمان قول بلا عمل وتبيين غلطهم ومخالفتهم الكتاب والسنة.

وقال المازري: اختلف الناس فيمن عصى الله من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضر المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره بها ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد بها فاعل الكبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر لكن يوصف بأنه فاسق.

وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن وإن عذب، ولا بد من دخوله الجنة.

قوله " وقول الله عز وجل " بالجر عطف على الأمور، فإن قلت: ما المناسبة بين هذه الآية والتبويب؟ قلت: لأن الآية حصرت المتقين على أصحاب هذه الصفات والأعمال، فعلم منها أن الإيمان الذي به الفلاح والنجاة الإيمان الذي فيه هذه الأعمال المذكورة، وكذلك الآية الأخرى وهي قوله قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون وذكر الأخرى في كتاب الشريعة من حديث المسعودي عن القاسم عن أبي ذر رضي الله عنه " أن رجلا سأله عن الإيمان فقرأ عليه ليس البر الآية; فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال أبو ذر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله كما سألتني، فقرأ عليه كما قرأت عليك، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال: ادن مني. فدنا منه، فقال: المؤمن الذي يعمل حسنة فتسره ويرجو ثوابها وإن عمل سيئة تسوءه ويخاف عاقبتها، قوله تعالى ليس البر أي ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ولكن البر بر من آمن بالله الآية، كذا قدره سيبويه، وقال الزجاج: ولكن ذا البر فحذف المضاف كقوله هم درجات عند الله أي ذوو درجات، وما قدره سيبويه أولى لأن المنفي هو البر، فيكون هو المستدرك من جنسه.

وقال الزمخشري رحمه الله: البر اسم للخير ولكل فعل مرضي، وفي الغريبين: البر الاتساع في الإحسان والزيادة منه.

وقال السدي: لن تنالوا البر حتى تنفقوا يعني الجنة. والبر أيضا الصلة، وهو اسم جامع للخير كله، وفي الجامع والجمهرة: البر ضد العقوق، وفي مثلث ابن السيد الإكرام. كذا نقله عنه في الواعي، وذكر ابن عديس عنه البر بالكسر الخير.

وقال الزمخشري: الخطاب لأهل الكتاب; لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق; وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم وقرأ ليس البر بالنصب على أنه خبر مقدم، وقرأ عبد الله (بأن تولوا) على إدخال الباء على الخبر للتأكيد، وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر بفتح الباء، وقرئ ولكن البار، وقرأ ابن عامر ونافع: ولكن البر بالتخفيف والكتاب جنس كتاب الله تعالى أو القرآن على حبه مع حب المال والشح به. وقيل: على حب الله، وقيل: على حب الإيتاء، وقدم ذوي القربى لأنه أحق والمراد الفقراء منهم لعدم الالتباس والمساكين الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له كالمسكير الدائم السكر وابن السبيل المسافر المنقطع وجعل ابنا للسبيل لملازمته له كما يقال للص القاطع: ابن الطريق، وقيل: هو الضيف; لأن السبيل ترعف به والسائلين المستطعمين وفي الرقاب وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم، وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك الأسارى والموفون [ ص: 123 ] عطف على من آمن وأخرج الصابرين منصوبا على الاختصاص والمدح إظهارا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال، وقرئ (والصابرون)، وقرئ (والموفين) (والصابرين)، (والبأساء) الفقر والشدة والضراء والمرض والزمانة.

قوله قد أفلح المؤمنون الآية، هذه آية أخرى ذكر الآيتين لاشتمالهما على أمور الإيمان، والباب مبوب عليها وإنما لم يقل وقول الله عز وجل قد أفلح المؤمنون كما قال في أول الآية الأولى، وقول الله عز وجل ليس البر إلخ لعدم الالتباس في ذلك، واكتفى أيضا بذكره في الأولى.

وقال بعضهم: ذكره بلا أداة عطف، والحذف جائز، والتقدير: وقول الله عز وجل قد أفلح المؤمنون قلت: الحذف غير جائز، ولئن سلمنا فذاك في باب الشعر، وقال: هذا القائل أيضا، ويحتمل أن يكون تفسيرا لقوله: المتقون هم الموصوفون بقوله قد أفلح المؤمنون إلى آخرها، قلت: لا يصح هذا أيضا; لأن الله تعالى ذكر في هذه الآية من وصفوا بالأوصاف المذكورة فيها، ثم أشار إليهم بقوله وأولئك هم المتقون بين أن هؤلاء الموصوفين هم المتقون; فأي شيء يحتاج بعد ذلك إلى تفسير المتقين في هذه الآية حتى يفسرهم بقوله قد أفلح إلخ، وربما كان يمكن صحة هذه الدعوى لو كانت الآيتان متواليتين، فبينهما آيات عديدة بل سور كثيرة، فكيف يكون هذا من باب التفسير وهذا كلام مستبعد جدا؟ قوله (الآية) يجوز فيها النصب على معنى اقرأ الآية، والرفع على معنى الآية بتمامها على أنه مبتدأ محذوف الخبر، قوله (أفلح) أي دخل في الفلاح وهو فعل لازم، والفلاح الظفر بالمراد، وقيل: البقاء في الخير.

وقال الزمخشري: يقال: أفلحه أجاره إلى الفلاح، وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح للبناء للمفعول، وعنه: أفلحوا، على: أكلوني البراغيث أو على الإبهام والتفسير (والخشوع في الصلاة) خشية القلب، (واللغو) ما لا يعنيك من قول أو فعل كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه وإطراحه.

قوله فاعلون أي مؤدون. وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل من ملكت؟ قلت: لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث