الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                المدرك الحادي عشر : ما يعد عذرا ، وهو الإكراه والنسيان والجهل ، وفي ( الجواهر ) : الحالف : لا يفعل شيئا يحنث بوجود الفعل منه سهوا أو عمدا أو خطأ أو نسيانا أو جهلا ، ولا يحنث مكرها ، ووافقنا الأئمة على الإكراه على اليمين ، وخالفنا ( ح ) في الإكراه على الفعل ، ووافقنا في النسيان ، والجهل ، وخالفنا ( ش ) في النسيان ، والجهل .

                                                                                                                ( تمهيد ) : اللفظ لغة لا يختص بحالة ، فقد دلت العادة على أن الناس يستنون هذه الحالة حتى يكون معنى قوله : لا فعلت كذا : ما لم أنس أو أكره أو أجهل ، ولا يقصدون ذلك ، فنحن لم يثبت عندنا قصدهم ، فاعتبرنا اللفظ ، واستثنينا الإكراه للحديث ، وهو قوله ، عليه السلام : ( لا طلاق في إغلاق ) أي في إكراه ، وإذا تمهد عذرا في الطلاق تمهد في غيره بجامع عدم الإيثار للفعل ، و ( ش ) يرى أن هذه الحالات مستثنيات في عرف الناس ، وهو غير ظاهر ، وفي ( الكتاب ) : الحالف لا مال عنده ، وورث مالا لا يعلم به حانث ، والحالف لا يدخل دارا لا يحنث بدخولها مكرها ، وقال ابن يونس : ولو هجمت به دابته كرها لم يحنث ، وإن قال لزوجته : إن دخلت هذه الدار ، فأنت طالق ، فأكرهها غيره على الدخول لم يحنث ، وأما بإكراهه هو ، فقال سحنون : أخاف أن يكون ذلك رضا بالحنث ، فيحنث . قال مالك : والمكره على اليمين لا يعتبر يمينه إلا أن يكون في حق عليه ، وهو يعلم ذلك ، وقال الأئمة : والحالف بالطلاق لنجاة غيره من القتل بغير حق يلزمه الطلاق . قاله محمد خلافا لأشهب ، والحالف : ليس له مال . قال محمد : إن تصدق عليه وهو لا يعلم فلم يقبل ، فلا شيء عليه ، فإن قبل حنث ، وقيل : لا يحنث نظرا لتأخير [ ص: 55 ] كمال الملك بعد اليمين . قال صاحب ( تهذيب الطالب ) : الحالف ليركبن الدابة فتسرق ، يحنث عند ابن القاسم خلافا لأشهب ; لأن الفعل ممكن ، وإنما منعه السارق ، فإن ماتت بر لتعذر الفعل . ومنع الغاصب والمستحق كالسارق . وكذلك لو حلف ليضربن عبده ، فكاتبه ، أو ليبيعها ، فوجدها حاملا ; لأن المانع شرعي والفعل ممكن ، وخالفه سحنون . والحالف : ليطأنها ، فوجدها حائضا قيل : يحنث ، وقيل : لا شيء عليه ، وقيل : إن وطئ بر ، وقال ابن القاسم : لا يبر ، وكذلك لو وجدها صائمة في رمضان ، وقال أصبغ : إذا نذرت يوم الاثنين ، فصادف يوم الصيام مرض . أفطرت ولا شيء عليها ، وقال أشهب : الحالف : ليصومن رمضان وشوال ، إن صام يوم الفطر بر ، وإلا فلا .

                                                                                                                قاعدة : المانع متى كان عقليا اعتبر ؛ قولا واحدا ، أو عاديا أو شرعيا ، فقولان ، والمدرك أن قول الحالف : لأفعلن هل يعم الأحوال ، أو يخصص بحالة التمكن لأنه المقصود للعقلاء ، فلا يحنث ، أو يفرق بين المتعذر عقلا وغيره محافظة على ظاهر اللفظ ؟ وهو المشهور . قال أبو الطاهر : المشهور أن الخوف على الغير كالخوف على النفس ، وفي الإكراه قولان ، ومذهب مالك وأصحابه تحنيث الناسي ، والمتأخرون من محققي الأشياخ : عدم تحنيثه ، وراموا تخريجه مما في المستخرجة في الحالف بالطلاق ليصومن يوما سماه ، فأفطره ناسيا لا شيء عليه . قال : ويمكن حمله على نفي القضاء دون الحنث ، وهو أحد القولين في المفطر في النذور ، وفيمن حلف لا يبايع إنسانا ، فبايع من هو من سببه ، أو ممن اشتراه المحلوف عليه ، ولم يعلم ، لا حنث عليه ، ويمكن حمله على مراعاة ظاهر اللفظ ، فلا يحنث بمبايعة غيره ; لأن النسيان عذر .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية