الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإذا مس الإنسان ضر دعانا

( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) .

[ ص: 250 ] قوله تعالى : ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) .

اعلم أن هذا حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة ، وذلك لأنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى ، ويرون أن دفع ذلك لا يكون إلا منه ، ثم إنه تعالى إذا خولهم النعمة ، وهي إما السعة في المال أو العافية في النفس ، زعم أنه إنما حصل ذلك بكسبه وبسبب جهده وجده ، فإن كان مالا قال : إنما حصل بكسبي ، وإن كان صحة قال : إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني ، وهذا تناقض عظيم ، لأنه كان في حال العجز والحاجة أضاف الكل إلى الله ، وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله ، وأسنده إلى كسب نفسه ، وهذا تناقض قبيح ، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة ، فقال : ( بل هي فتنة ) يعني النعمة التي خولها هذا الكافر فتنة ، لأن عند حصولها يجب الشكر ، وعند فواتها يجب الصبر ، ومن هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة ، كما يقال : فتنت الذهب بالنار ، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته .

ثم قال تعالى : ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) والمعنى ما قدمنا أن هذا التخويل إنما كان لأجل الاختبار ، وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض السؤال والجواب .

السؤال الأول : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء ههنا ، وعطف مثلها في أول السورة بالواو ؟ والجواب : أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء ، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجئوا إلى الله تعالى وحده ، كان الفعل الأول مناقضا للفعل الثاني ، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب ههنا . فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال ، فلا جرم " ذكر الله " بحرف الواو لا بحرف الفاء .

السؤال الثاني : ما معنى التخويل ؟ الجواب : التخويل هو التفضل ، يعني : نحن نتفضل عليه ، وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق .

السؤال الثالث : ما المراد من قوله : ( إنما أوتيته على علم ) ؟ الجواب : يحتمل أن يكون المراد : إنما أوتيته على علم الله بكوني مستحقا لذلك ، ويحتمل أن يكون المراد : إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقا له ، ويحتمل أن يكون المراد : إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضا فيعالج نفسه ، فيقول : إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج ، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب .

السؤال الرابع : النعمة مؤنثة ، والضمير في قوله : ( أوتيته ) عائد على النعمة ، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث ، بل قال بعده : ( بل هي فتنة ) فجعل الضمير مؤنثا ، فما السبب فيه ؟ والجواب : أن التقدير : حتى إذا خولناه شيئا من النعمة ، فلفظ النعمة مؤنث ، ومعناه مذكر ، فلا جرم جاز الأمران .

ثم قال تعالى : ( قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ) الضمير في " قالها " راجع إلى قوله : [ ص: 251 ] ( إنما أوتيته على علم عندي ) لأنها كلمة أو جملة من المقول ( والذين من قبلهم ) هم قارون وقومه حيث قال : ( إنما أوتيته على علم عندي ) وقومه راضون به ، فكأنهم قالوها ، ويجوز أيضا أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها .

ثم قال تعالى : ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) أي : ما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل والقول الفاسد الذي اكتسبوه من عذاب الله شيئا ، بل أصابهم سيئات ما كسبوا ، ولما بين في أولئك المتقدمين أنهم أصابهم سيئات ما كسبوا ، أي : عذاب عقائدهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة قال : ( وما هم بمعجزين ) أي : لا يعجزونني في الدنيا والآخرة .

ثم قال تعالى : ( أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) يعني : أولم يعلموا أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة ، ويقبض تارة أخرى ، وقوله : ( ويقدر ) أي ويقتر ويضيق ، والدليل عليه : أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ، ولا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله ، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ، ونرى الجاهل المريض الضعيف في أعظم السعة ، وليس ذلك أيضا لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك ، لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر ، قد ولد فيه أيضا عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان ، ويولد أيضا في تلك الساعة عالم من النبات ، فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة ، علمنا أنه ليس المؤثر في السعادة والشقاوة هو الطالع ، ولما بطلت هذه الأقسام ، علمنا أن المؤثر فيه هو الله سبحانه ، وصح بهذا البرهان العقلي القاطع على صحة قوله تعالى : ( أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) .

قال الشاعر :


فلا السعد يقضي به المشتري ولا النحس يقضي علينا زحل     ولكنه حكم رب السما
ء وقاضي القضاة تعالى وجل



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث