الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في أحكامها

جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثاني : في أحكامها ، وهي أربعة : الحكم الأول : تقديمها قبل الحنث . قال في ( الكتاب ) : استحب مالك تأخيرها بعد الحنث ، فإن تقدمها أجزأه .

قاعدة : اليمين عندنا ، وعند الشافعي ، وابن حنبل لا يغير حكم المحلوف عليه في إباحة ، ولا منع . قال ( ح ) : يغير . حتى قال : من حلف لا يصلي حرمت الصلاة عليه ، أو ليفسقن وجب الفسوق عليه ، ويصير ذلك كالصلاة في الدار المغصوبة واجبا من وجه ، حراما من وجه ; لأن مخالفة اليمين عنده حرام ، وقد تقدم مدركه ، وجوابه ، وبنى على ذلك منع التكفير قبل الحنث ، وأن من حرم طعاما أو غيره وجبت عليه الكفارة ; لأنه التزم تحريمه باليمين ، ولأن غير الواجب لا يجزئ عن الواجب ، وقبل الحنث لا تجب الكفارة إجماعا ، وقياسا على كفارة فطر رمضان وقتل الصيد والظهار .

لنا : أن موضوع الحلف لغة تأكيد المحلوف عليه ، والتأكيد لا يغير الأصل ، وقال ( ش ) : يجوز تقديم التكفير بالمال لتقديم الزكاة على الحول دون الصوم كامتناع تقديم رمضان على رؤية الهلال ، ووافقنا ابن حنبل .

لنا : ما في مسلم قال ، عليه السلام : ( إذا حلف أحدكم على اليمين ، فرأى غيرها خيرا منها فليكفر وليأت الذي هو خير ) ويروى : فليأت الذي هو خير وليكفر ، ويروى : ثم يكفر .

قواعد : إذا تقدم سبب الحكم دون شرطه جاز تقديمه عليه كالعفو عن [ ص: 67 ] القصاص قبل زهوق الروح لتقدم السبب الذي هو الجراحة ، وتقديم الزكاة على الحول لتقدم ملك النصاب على الخلاف ، واليمين هاهنا هو السبب ، والحنث شرط ، فجاز تقديم الكفارة قبل الشرط بعد السبب ، ولا يجزئ قبل السبب اتفاقا . حكاه في ( الإكمال ) لتقدم العفو على الجراحة وإسقاط الشفعة قبل البيع . وفي ( الجواهر ) : هل الحنث شرط ، أو ركن ؟ قولان ، وخرج الخلاف عليه ، وبهذا يظهر الجواب عن قول الشافعي في الصوم ، فإن الصوم قبل الهلال تقديم على السبب ، وعلى قول ( ح ) في القياس في تلك الصورة ; لأنه يلزم التقديم على السبب بخلاف صورة النزاع ، وعن قوله : ما ليس بواجب لا يجزئ عن الواجب بتقديم الزكاة .

الثانية : الواو لا تقتضي الترتيب على الصحيح ، والفاء تقتضيه ، فملاحظة الواو في قوله - عليه السلام - : ( فليأت الذي هو خير وليكفر ) لا تقتضي تأخير الكفارة عن الحنث أو تقتضيه ; لأنها للترتيب عند الكوفيين وبعض الفقهاء ، وبتقدير تسليمه ، فالجواب عنه أن الفاء في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فليكفر ) تقتضي التعقيب لرؤية ما هو خير من المحلوف عليه ، فلا يتقدم عليه الحنث ، فيكون تعقيبها في هذه الرواية معارضا لترتيب الواو في الرواية الأخرى ، وينعكس هذا التقدير بعينه ، فيقال : الفاء في قوله - عليه السلام - : ( فليأت ) يقتضي تعقب الحنث لرؤية ما هو خير .

الثالثة : ترتيب الحكم على الوصف يدل على سببية ذلك الوصف لذلك الحكم نحو اقتلوا الكافر ، واقطعوا السارق .

وقوله تعالى : [ ص: 68 ] ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) ( المائدة : 89 ) ولم يقل : إذا حنثتم . يقتضي أن السبب إنما هو الحلف ، فهذه القواعد هي مدارك العلماء في هذه المسألة .

تفريع : قال اللخمي : الحالف إن كان على بر ، فأربعة أقوال : كراهية التكفير لمالك ، والإجزاء له ، والمنع أيضا له ، ويخصص الجواز بكفارة اليمين دون الطلاق والعتق والصدقة والمشي ، ما لم تكن آخر طلقة ، أو عبد معينا ، وإن كان على حنث فالإجزاء لمالك ، وإن ضرب أجلا ، فثلاثة أقوال : عدم الإجزاء في ( الكتاب ) لابن القاسم ، والإجزاء له في كتاب محمد ، والتفرقة بين اليمين بالله فيجزئ ، وغيره فلا يجزئ .

الحكم الثاني : لا يجوز أن يطعم جملة الطعام لمسكين واحد ، وقاله ( ش ) وابن حنبل ، وقال ( ح ) : يجوز . محتجا بأنه سد عشر خلات في محل ، فهو كسد عشر خلات في محال ; لأن المطلوب سد الخلة لا محلها ، وجوابه : أن النص صرح بالعدد فيجب امتثاله ، ولأن الوصي لو صرح بالعدد لم تجز مخالفته اتفاقا ، فالله تعالى أولى بذلك ، ولأنه يتوقع في العدد ولي تستجاب دعوته ويتعين أن تحفظ بنيته ما لا يتوقع في الشخص الواحد ، فهذه المصالح هي الموجبة لتصريح الشرع بالعدد ، فلا يهمل تصريحه .

الحكم الثالث : تلفيقها . قال اللخمي : اختلف قول ابن القاسم لو أطعم خمسة وكسا خمسة ، ففي ( الكتاب ) : المنع ; لأن الله تعالى خير بين الأنواع دون أجزائها ، وقاله ابن حنبل ، و ( ح ) ، وفي كتاب محمد الإجزاء . قال : وهو أحسن ، وقاله الحنفي ; لأن كل واحد من النوعين سد مسد الآخر . قال محمد : من عليه ثلاث كفارات فأعتق وكسا وأطعم وأشرك في الجميع بطل العتق ، ويعتد من الإطعام بثلاثة ، ويكمل عليها سبعة ، وكذلك الكسوة ، ويكفر عن يمين بما أحب [ ص: 69 ] فإن أحب أن يكسو عما بقي عليه أو يطعم سبعة عشر ; لأن الذي يحصل له ثلاثة . قال : وهذا غلط ، بل يحتسب بثمانية عشر على القول بجواز التلفيق ، وعلى المشهور يحتسب بتسعة ; لأنه أطعم عشرة عن ثلاثة أيمان يجزيه منها ثلاثة عن كل يمين ، ويبطل مسكين واحد للشركة فيه ، وكذلك الكسوة . فعلى الأول : يجزيه اثنا عشر ، وعن الثاني : يخير بين إطعام أحد وعشرين أو كسوتهم ، وفي ( الكتاب ) : من كسا وأطعم وأعتق عن ثلاثة أيمان ، ولم يعين أحدهما لأحدهما أجزأه ; لأن النية لا تحتاج إلا عند الاختلاف ; لأنها شرعت لتمييز مراتب العبادات عن العادات ، أو مراتب العبادات في أنفسها ، وأسباب الكفارات مستوية ، ولا يجوز إخراج قيمة الكسوة لدلالة النص عليها كما في الزكاة .

الحكم الرابع : إجزاء التكفير عن الغير ، ففي ( الكتاب ) : المكفر عن غيره بغير إذنه أو بغير أمره ، أجزأه كالتكفير على الميت ، وقال ( ش ) : يجزئه بإذنه دون عدم إذنه ; لأن إذنه ينزل منزلة الوكالة في التمليك والتكفير ، وقال ( ح ) : إن لم يذكر البدل لم يجزئه ، ووافقنا في الإطعام والكسوة .

لنا على الفريقين ، أنه قام عنه بواجب ، فوجب خروجه عن العهدة كرد الوديعة والمغصوب عنه ، ولأنه إحسان ، فيكون مأمورا به لقوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) ( النحل : 90 ) ، وإذا كان مأمورا به يجزئ ، وإلا لعري الأمر عن المصلحة ، وهو خلاف الأصل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث