الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم

جزء التالي صفحة
السابق

وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176)

ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون
(177) من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان [ ص: 1390 ] لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181)

والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون
(182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم .يعمهون (186)

يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون
(187) قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191)

ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون
(192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193) إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) والذين [ ص: 1391 ] تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198)

هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعد ما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذا صورة التذكير من الرسل جميعا بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.

فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم وهم بعد في عالم الذر! ..

إن الاعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل! ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.

منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيبا من العلم كان خليقا أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئا، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئا. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق! ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان لله العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان لله شركاء فيما آتاهما! ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقودا لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب! ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوت [ ص: 1392 ] السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون! ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره: الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ..

ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع!

وإذ أخذ ربك من بني آدم - من ظهورهم - ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا! أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل. وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟ .. وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ..

إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياق القرآني في صورة مشهد - على طريقة القرآن الغالبة - وإنه لمشهد فريد.. مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود، تؤخذ في قبضة الخالق المربي، فيسألها: ألست بربكم؟ .. فتعترف له - سبحانه - بالربوبية وتقر له - سبحانه - بالعبودية وتشهد له - سبحانه - بالوحدانية وهي منثورة كالذر مجموعة في قبضة الخالق العظيم! إنه مشهد كوني رائع باهر، لا تعرف اللغة له نظيرا في تصوراتها المأثورة! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى، وهي تجمع وتقبض. وهي تخاطب خطاب العقلاء - بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع - وهي تستجيب استجابة العقلاء، فتعترف وتقر وتشهد ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب! وإن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد. وهو يتمثل الذر السابح.

وفي كل خلية حياة. وفي كل خلية استعداد كامن. وفي كل خلية كائن إنساني مكتمل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول، ويقطع على نفسه العهد والميثاق، قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم! لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد، لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود.. عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرنا من الزمان، حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة. فإذا " العلم " يقرر أن الناسلات، وهي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل " الإنسان " وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب.. أن هذه الناسلات [ ص: 1393 ] التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر، وتكمن فيها خصائصهم كلها، لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة! .. كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال! وصدق الله العظيم: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ..

أخرج ابن جرير وغيره - بإسناده - عن ابن عباس قال: " مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ... فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى ..

وروي مرفوعا وموقوفا على ابن عباس. وقال ابن كثير: إن الموقوف أكثر وأثبت..

فأما كيف كان هذا المشهد؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم؟ وكيف خاطبهم: ألست بربكم وكيف أجابوا: " بلى شهدنا " ؟ .. فالجواب عليه: أن كيفيات فعل الله - سبحانه - غيب كذاته. ولا يملك الإدراك البشري أن يدرك كيفيات أفعال الله ما دام أنه لا يملك أن يدرك ذات الله.

إذ إن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية. وكل فعل ينسب لله سبحانه مثل الذي يحكيه قوله هذا كقوله تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان ... .. ثم استوى على العرش .. يمحو الله ما يشاء ويثبت ..

والسماوات مطويات بيمينه .. وجاء ربك والملك صفا صفا .. ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ... إلى آخر ما تحكيه النصوص الصحيحة عن فعل الله. سبحانه، لا مناص من التسليم بوقوعه، دون محاولة إدراك كيفيته.. إذ إن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية كما قلنا.. والله ليس كمثله شيء.

فلا سبيل إلى إدراك ذاته ولا إلى إدراك كيفيات أفعاله. إذ إنه. لا سبيل إلى تشبيه فعله بفعل أي شيء، ما دام أن ليس كمثله شيء.. وكل محاولة لتصور كيفيات أفعاله على مثال كيفيات أفعال خلقه، هي محاولة مضللة، لاختلاف ماهيته - سبحانه - عن ماهيات خلقه. وما يترتب على هذا من اختلاف كيفيات أفعاله عن كيفيات أفعال خلقه.. وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلاسفة والمتكلمين - وصف كيفيات أفعال الله، وخلطوا خلطا شديدا! على أن هناك تفسيرا لهذا النص بأن هذا العهد الذي أخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة.. فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده. أودع هذا فطرتهم فهي تنشأ عليه، حتى تنحرف عنه بفعل فاعل يفسد سواءها، ويميل بها عن فطرتها.

قال ابن كثير في التفسير: قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد - كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود ابن سريع - وقد فسر الحسن الآية بذلك. قالوا: ولهذا قال: وإذ أخذ ربك من بني آدم ولم يقل:

من آدم.. من ظهورهم .. ولم يقل من ظهره.. ذريتهم أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، كقوله تعالى: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض .. وقال: ويجعلكم خلفاء الأرض .. وقال:

كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين .. ثم قال: وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى! أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له.. حالا.. وقالوا: والشهادة تارة تكون بالقول كقوله: قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين

.. وتارة تكون حالا كقوله تعالى:

ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر .. أي حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك.. وكذلك قوله تعالى: وإنه على ذلك لشهيد .. كما أن السؤال تارة يكون بالمقال [ ص: 1394 ] وتارة يكون بالحال. كقوله: وآتاكم من كل ما سألتموه .. قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك. فلو كان قد وقع هذا، كما قال من قال، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره. وهذا جعل حجة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. ولهذا قال: أن تقولوا .. أي لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا . أي التوحيد.. غافلين، أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا ... الآية .

أما الأحاديث التي أشار إليها في أول هذه الفقرة فهي:

في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية. " على هذه الملة - فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " .

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " .

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى، أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع غزوات، قال: فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتد عليه، ثم قال: " ما بال أقوام يتناولون الذرية؟ " . فقال رجل:

يا رسول الله. أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: " إن خياركم أبناء المشركين! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها وينصرانها "
.. قال الحسن: لقد قال في كتابه: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ... الآية.

ونحن لا نستبعد أن يكون قول الله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم.. الآيات على وجهه لا على سبيل الحال. لأنه في تصورنا يقع كما أخبر عنه الله سبحانه. وليس هناك ما يمنع أن يقع حين يشاؤه.. ولكنا كذلك لا نستبعد هذا التأويل الذي اختاره ابن كثير، وذكره الحسن البصري واستشهد له بالآية.. والله أعلم أي ذلك كان..

وفي أي من الحالين يخلص لنا أن هناك عهدا من الله على فطرة البشر أن توحده. وأن حقيقة التوحيد مركوزة في هذه الفطرة يخرج بها كل مولود إلى الوجود فلا يميل عنها إلا أن يفسد فطرته عامل خارجي عنها! عامل يستغل الاستعداد البشري للهدى وللضلال. وهو استعداد كذلك كامن تخرجه إلى حيز الوجود ملابسات وظروف .

إن حقيقة التوحيد ليست مركوزة في فطرة " الإنسان " وحده ولكنها كذلك مركوزة في فطرة هذا الوجود من حوله - وما الفطرة البشرية إلا قطاع من فطرة الوجود كله. موصولة به غير منقطعة عنه، محكومة بذات الناموس الذي يحكمه - بينما هي تتلقى كذلك أصداءه وإيقاعاته المعبرة عن تأثره واعترافه بتلك الحقيقة الكونية الكبيرة.. [ ص: 1395 ] إن ناموس التوحيد الذي يحكم هذا الوجود، واضح الأثر في شكل الكون، وتنسيقه، وتناسق أجزائه، وانتظام حركته، واطراد قوانينه، وتصرفه المطرد وفق هذه القوانين.. وأخيرا - حسب العلم القليل الذي وصل إليه البشر - وحدة الجوهر الذي تتألف منه ذراته، وهو الإشعاع الذي تنتهي إليه المواد جميعا عند تحطيم ذراتها وإطلاق شحناتها..

ويوما بعد يوم يكشف البشر أطرافا من ناموس الوحدة في طبيعة هذا الكون، وطبيعة قوانينه التي تحكم تصرفاته - في غير آلية حتمية ولكن بقدر من الله مطرد متجدد وفق مشيئة الله الطليقة - ولكننا نحن لا نعتمد على هذا الذي يكشفه علم البشر الظني - الذي لا يمكن أن يكون يقينيا بحكم وسائله البشرية - في تقرير هذا الناموس. إنما نحن نستأنس به مجرد استئناس. واعتمادنا الأول في تقرير أية حقيقة كونية مطلقة، على ما قرره لنا الخالق العليم بما خلق. والقرآن الكريم لا يدع مجالا للشك في أن الناموس الذي يحكم هذا الكون هو ناموس الوحدة، الذي أنشأته المشيئة الواحدة للخالق الواحد سبحانه. كما أنه لا يدع مجالا للشك في عبودية هذا الكون لربه، واعترافه بوحدانيته، وعبادته له بالكيفية التي يعلمها الله ولا نعرف عنها إلا ما يخبرنا به وما نراه من آثارها في انتظامه ودأبه واطراده .

هذا الناموس الذي يصرف الكون كله - بقدر الله المطرد المتجدد وفق مشيئة الله الطليقة - سار كذلك في كيان الإنسان - بوصفه من كائنات هذا الكون - مستقر في فطرته، لا يحتاج إلى وعي عقلي للإحساس به فهو مدرك بالفطرة، مستقر في صميمها، تستشعره بذاتها، وتتصرف وفقه، ما لم يطرأ عليها الخلل والفساد، فتنحرف عن إدراكها الذاتي له، وتدع للأهواء العارضة أن تسيرها، بدلا من أن تسير وفق قانونها الداخلي القويم.

هذا الناموس - بذاته - هو ميثاق معقود بين الفطرة وخالقها. ميثاق مودع في كيانها. مودع في كل خلية حية منذ نشأتها. وهو ميثاق أقدم من الرسل والرسالات. وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله الواحد، ذي المشيئة الواحدة، المنشئة للناموس الواحد الذي يحكمها ويصرفها. فلا سبيل إلى الاحتجاج بعد ميثاق الفطرة وشهادتها - سواء أكان بلسان الحال هذا أم بلسان المقال كما في بعض الآثار - لا سبيل إلى أن يقول أحد: إنه غفل عن كتاب الله الهادي إلى التوحيد، وعن رسالات الله التي دعت إلى هذا التوحيد أو يقول: إنني خرجت إلى هذا الوجود، فوجدت آبائي قد أشركوا فلم يكن أمامي سبيل لمعرفة التوحيد إنما ضل آبائي فضللت فهم المسؤولون وحدهم ولست بالمسؤول! ومن ثم جاء هذا التعقيب على تلك الشهادة:

أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل، وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟ .

ولكن الله - سبحانه - رحمة منه بعباده، لما يعلمه من أن في استعدادهم أن يضلوا إذا أضلوا، وأن فطرتهم هذه تتعرض لعوامل الانحراف - كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفعل شياطين الجن والإنس الذين يعتمدون على ما في التكوين البشري من نقط الضعف! ..

رحمة من الله بعباده قدر ألا يحاسبهم على عهد الفطرة هذا كما أنه لا يحاسبهم على ما أعطاهم من عقل يميزون به حتى يرسل إليهم الرسل، ويفصل لهم الآيات، لاستنقاذ فطرتهم من الركام والتعطل والانحراف، [ ص: 1396 ] واستنقاذ عقلهم من ضغط الهوى والضعف والشهوات . ولو كان الله يعلم أن الفطر والعقول تكفي وحدها للهدى دون رسل ولا رسالات ودون تذكير وتفصيل للآيات لأخذ الله عباده بها. ولكنه رحمهم بعلمه فجعل الحجة عليهم هي الرسالة:

وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ..

يرجعون إلى فطرتهم وعهدها مع الله وإلى ما أودعه الله كينونتهم من قوى البصيرة والإدراك. فالرجعة إلى هذه المكنونات كفيلة بانتفاض حقيقة التوحيد في القلوب وردها إلى بارئها الوحيد، الذي فطرها على عقيدة التوحيد. ثم رحمها فأرسل إليها الرسل بالآيات للتذكير والتحذير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث