الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 407 ] 465 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقضي بين المختلفين من أهل العلم في الواجب على قاذف الجماعة ، هل هو حد واحد ، أو حد لكل واحد منهم ؟

2961 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، عن مخلد بن حسين ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بامرأته ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إيت بأربعة يشهدون ، وإلا فحد في ظهرك ، فقال : والله يا رسول الله ، إن الله يعلم إني لصادق ، قال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : أربعة ، وإلا حد في ظهرك ، قال : والله يا رسول الله إن الله يعلم إني لصادق ، ولينزلن الله عليك ما يبرئ ظهري من الحد ، قال : فنزلت آية اللعان .

[ ص: 408 ]

2962 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، قال : أخبرنا هشام ، قال : حدثني عكرمة ، عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : البينة أو حد في ظهرك ، فقال : يا رسول الله ، إذا وجد أحدنا رجلا على امرأته ، التمس البينة ! قال : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : البينة ، وإلا فحد في ظهرك ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن في أمري ما يبرئ ظهري من الجلد ، فنزلت آية اللعان .

ففي هذين الحديثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله لهلال بن أمية لما [ ص: 409 ] قذف امرأته بشريك بن سحماء قذفا صار به قاذفا لها ، ولشريك بن سحماء : البينة ، وإلا فحد في ظهرك ، أو ائت بأربعة يشهدون ، وإلا فحد في ظهرك ، لما كان الحكم في ذلك الوقت على الزوج إذا قذف امرأته برجل صار به قاذفا لها ، ولذلك الرجل إتيان ما أمره أن يأتي به في كل واحد من هذين الحديثين ، وإلا فحد في ظهرك .

ففي ذلك ما قد دل على أن الذي كان وجب عليه في قذفهما جميعا حد واحد ، كما يقول في ذلك أبو حنيفة ، ومالك ، وأصحابهما ، لا كما يقوله من سواهما في ذلك ممن يقول : عليه لكل واحد منهما حد ، وهذا موافق لما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا في قذف عائشة رضي الله عنها ، وقذف الذين رموها به أن حد كل واحد منهم لذلك حدا واحدا لا حدين .

2963 - كما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عياش بن الوليد الرقام ، قال : حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة ابنة عبد الرحمن ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، خرج فجلس على المنبر ، فتلا على الناس ما أنزل الله : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم - إلى قوله - عذاب عظيم ، قال : ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر برجلين وامرأة ، فضربوا حدهم ثمانين ثمانين ، وهم [ ص: 410 ] الذين تولوا كبر ذلك ، وقالوا بالفاحشة : حسان ومسطح وحمنة .

قال أبو جعفر : وقد كان أيضا ممن ذهب إلى هذا القول فوق ما ذكرنا من أهل العلم : عروة بن الزبير ، كما حدثنا يونس ، قال : أنبأنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أنه قال في رجل قذف جماعة : إنه ليس عليه إلا حد واحد ، ولا نعلم عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من تابعيهم في هذا المعنى خلاف هذا القول ، والله سبحانه وتعالى نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية