الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 424 ] 469 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قطع السدر من نهي ومن إباحة

2976 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا مليح بن وكيع بن الجراح ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا محمد بن شريك ، عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن أوس ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الذين يقطعون - كأنه يعني السدر - يصبون في النار على رؤوسهم صبا .

2977 - حدثنا القاسم بن جعفر بن محمد البصري أبو محمد ، قال : حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا عبد الرزاق بن همام ، عن إبراهيم بن يزيد - يعني : الخوزي - عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن أوس ، قال : [ ص: 425 ] أدركت شيخا من ثقيف قد أفسد السدر زرعه ، فقلت : ألا تقطعه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إلا من زرع ، قال : أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من قطع سدرا إلا من زرع صب الله عليه العذاب صبا ، فأنا أكره أن أقطعه من الزرع ، ومن غيره .

ففي هذا الحديث الأول من هذين الحديثين ما يمنع من قطع السدر كله ، وفي الحديث الثاني منهما استثناء ما كان من ذلك في زرع .

فتأملنا هذين الحديثين ، وما هما عليه من صحة في أسانيدهما ، ومما سوى ذلك ، فوجدنا روح بن الفرج قد حدثنا ، قال : حدثنا حامد بن يحيى ، قال : حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عمرو بن دينار ، عن عروة بن الزبير ، ولم يتجاوزه به ، قال : من قطع سدرة صب الله عليه العذاب صبا .

ففي هذا الحديث إيقافه على عروة بغير تجاوز به إياه إلى عائشة [ ص: 426 ] ولا إلى من سواها ممن ذكر في الحديثين الأولين ، وفيه أيضا شيء ذكره لنا روح قال : سمعت حامدا يقول : ذكرت هذا الحديث لسفيان بن عيينة ، فقال : ذهبت إلى عمرو بن دينار ، فسألته عنه ، فقال لي : اذهب إلى عثمان بن أبي سليمان فإنه يحدث به ، فذهبت إلى عثمان فحدثني فيه بحديثين اختلط علي إسنادهما ، قال سفيان : فسألت هشام بن عروة عن قطع السدر ، فقال : هذه الأبواب من سدرة كانت لأبي قطعها ، فجعل منها هذه الأبواب .

ففيما ذكرنا عن سفيان في هذا الحديث من سؤاله عمرو بن دينار عن الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب عنه ، أعني عمرو بن دينار ، وجوابه فيه بما أجابه ، فدل ما ذكرنا فيه عن هشام بن عروة ، عن أبيه أن الحديثين الأولين إن كانا صحيحين ، فقد كان لحقهما نسخ عاد به ما كان فيهما من نهي إلى الإباحة لما في ذلك النهي ؛ لأن عروة مع عدله وعلمه وجلالة منزلته في العلم لا يدع شيئا قد ثبت عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضده إلا لما يوجب ذلك له ، فثبت بما ذكرنا نسخ هذين الحديثين مع ما قد دخل الحديث الثاني منهما من خلاف ابن جريج راويه ، وهو إبراهيم بن يزيد ، وإيقافه على عروة ، وهو حجة على إبراهيم بن يزيد ، وإبراهيم ليس بحجة عليه ، بل أهل الإسناد يضعفون روايته في هذا ، وفي غيره .

مع أن إبراهيم هذا قد كان اضطرب في هذا الحديث ، فحدث به مرة هكذا عن عمرو بن دينار ، وحدث به مرة أخرى عن عمرو بن أوس ، ومما قد روي عن عروة أيضا في إباحة قطع السدر : [ ص: 427 ] ما قد حدثنا محمد بن جعفر بن أعين ، قال : حدثنا علي بن حرب الطائي ، قال : حدثنا عبد الله بن داود الهمداني - قال محمد : يعني : الخريبي - عن هشام بن عروة ، عن أبيه أنه كان يقطع السدر يجعله أبوابا ، وممن قد خالف إبراهيم بن يزيد في حديثه الذي رويناه عنه في هذا الباب : محمد بن مسلم الطائفي ، فرواه عن عمرو بن دينار ، كما .

حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن أعين ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : حدثنا محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن رجل من ثقيف سمع ابن الزبير يقول : من قطع السدر صب الله العذاب عليه صبا ، [ ص: 428 ] فهذا محمد بن مسلم قد خالف إبراهيم في هذا الحديث ، فرده إلى ابن الزبير ، وهو فوق إبراهيم هذا ، ودون ابن جريج ، فأما حديث عثمان بن أبي سليمان الذي ذكره سفيان .

2978 - فهو ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن محمد بن سعيد ، عن عبد الله بن حبشي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قطع سدرة صب الله عز وجل على رأسه العذاب صبا .

2979 - وما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن سعيد بن محمد ، عن عبد الله بن حبشي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قطع سدرة [ ص: 429 ] صوب الله رأسه في النار ، فاختلف إبراهيم وأبو أمية في الرجل الذي اختلفا فيه من رواة هذا الحديث ، فقال إبراهيم : هو محمد بن سعيد ، وقال أبو أمية : هو سعيد بن محمد ، وكان في ذلك ما يوجب اضطراب رواته ، غير أن الصواب فيه ما رواه أبو أمية لموافقة غير أبي عاصم في ذلك على ما رواه عن أبي عاصم .

2980 - كما حدثنا إسماعيل بن إسحاق الكوفي ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي ، قال : حدثنا ابن جريج ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم ، عن عبد الله بن حبشي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار ، غير أن هذا الرجل المختلف في اسمه ليس من المشهورين برواية الحديث ، ولم نجد له ذكرا في غير هذا الحديث ، ومثل هذا لا يقوم بمن هذه سبيله ، ثم حديثه هذا قد ذكره عن عبد الله بن حبشي ، ويبعد من القلوب أن يكون لقيه ؛ لأنا لم نجد شيئا من حديث عبد الله بن [ ص: 430 ] حبشي إلا عن من سنه فوق سن هذا الرجل ، وهو عبيد بن عمر ، وحديثه عنه في أفضل الصلاة أنها طول القنوت ، وقد كان سفيان الثوري أيضا ينكر هذا الحديث ، ويأمر بالعمل بضده . كما حدثنا ابن أبي عمران ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : سمعت سفيان بن سعيد ، وسئل عن قطع السدر ، فقال : قد سمعنا فيه بحديث لا ندري الذي جاء به عليه .

2981 - كما قد حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا يعقوب بن حميد ، قال : حدثنا هشام بن سليمان المخزومي ، عن إبراهيم بن يزيد ، عن عمرو بن دينار ، عن الحسن بن محمد عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : قم يا علي فآذن الناس : لعن الله قاطع السدر ، والحسن بن محمد لم يسمع من علي ، ولم يولد في زمنه ، ففي توهين سفيان إياه ما يسقط به مثله ، مع أن سائر أهل العلم من فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتيا على إباحة قطعه ، وفي ذلك ما قد دل على أن الأولى فيه إباحة قطعه ، لا المنع منه ، والله عز وجل نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية