الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " متكئين على فرش بطائنها من إستبرق "

القول في تأويل قوله تعالى : ( متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان ( 54 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 55 ) )

يقول - تعالى ذكره - ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) يتنعمون فيهما ، ( متكئين على فرش ) فنصب متكئين على الحال من معنى الكلام الذي قبله ؛ لأن الذي قبله بمعنى الخبر عمن خاف مقام ربه أنه في نعمة وسرور ، يتنعمون في الجنتين .

وقوله : ( على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين ) يقول - تعالى ذكره - : بطائن هذه الفرش من غليظ الديباج ، والإستبرق عند العرب : ما غلظ من الديباج وخشن .

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : يسمى المتاع الذي ليس في صفاقة الديباج ولا خفة العرقة : إستبرقا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني عمران بن موسى القزاز قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد قال : ثنا يحيى بن أبي إسحاق قال : قال لي سالم بن عبد الله : ما الإستبرق ؟ قال : قلت : ما غلظ من الديباج وخشن منه .

حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا يحيى بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عكرمة في قوله : ( إستبرق ) قال : الديباج الغليظ .

وحدثنا إسحاق بن زيد الخطابي قال : ثنا الفريابي ، عن سفيان ، عن [ ص: 62 ] أبي إسحاق ، عن هبيرة بن يريم عن ابن مسعود في قوله : ( فرش بطائنها من إستبرق ) قال : قد أخبرتم بالبطائن ، فكيف لو أخبرتم بالظواهر ؟ ! .

حدثنا الرفاعي قال : ثنا ابن اليمان ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن هبيرة قال : هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر ؟ ! .

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال : ثنا أبو داود ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد قال : قيل له : هذه البطائن من إستبرق فما الظواهر ؟ قال : هذا مما قال الله ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) . وقد زعم أهل العربية أن البطانة قد تكون ظهارة ، والظهارة تكون بطانة ، وذلك أن كل واحد منهما قد يكون وجها . قال : وتقول العرب : هذا ظهر السماء ، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه .

وقوله : ( وجنى الجنتين دان ) يقول : وثمر الجنتين الذي يجتنى قريب منهم ؛ لأنهم لا يتعبون بصعود نخلها وشجرها لاجتناء ثمرها ، ولكنهم يجتنونها من قعود بغير عناء .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( وجنى الجنتين دان ) : ثمارهم دانية ، لا يرد أيديهم عنه بعد ولا شوك . ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " والذي نفسي بيده ، لا يقطع رجل ثمرة من الجنة ، فتصل إلى فيه حتى يبدل الله مكانها خيرا منها " .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( وجنى الجنتين دان ) قال : لا يرد يده بعد ولا شوك .

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( وجنى الجنتين دان ) يقول : ثمارها دانية .

وقوله : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) يقول - تعالى ذكره - : فبأي آلاء ربكما معشر الثقلين التي أنعم عليكما - من أثاب أهل طاعته منكم هذا الثواب ، [ ص: 63 ] وأكرمهم هذه الكرامة - تكذبان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث