الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان "

القول في تأويل قوله تعالى : ( فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ( 56 ) فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 57 ) )

يقول - تعالى ذكره - في هذه الفرش التي بطائنها من إستبرق ( قاصرات الطرف ) ، وهن النساء اللاتي قد قصر طرفهن على أزواجهن ، فلا ينظرن إلى غيرهم من الرجال .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال : ثني أبي ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد في قوله : ( فيهن قاصرات الطرف ) قال : قصر طرفهن عن الرجال ، فلا ينظرن إلا إلى أزواجهن .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فيهن قاصرات الطرف ) الآية . يقول : قصر طرفهن على أزواجهن ، فلا يردن غيرهم .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( قاصرات الطرف ) قال : لا ينظرن إلا إلى أزواجهن ، تقول : وعزة ربي وجلاله وجماله ، إن أرى في الجنة شيئا أحسن منك ، فالحمد لله الذي جعلك زوجي ، وجعلني زوجك .

وقوله : ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) يقول : لم يمسهن إنس - قبل هؤلاء الذين وصف - جل ثناؤه - صفتهم ، وهم الذين قال فيهم ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) . - ولا جان يقال منه : ما طمث هذا البعير حبل قط : أي ما [ ص: 64 ] مسه حبل .

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول : الطمث هو النكاح بالتدمية ، ويقول : الطمث هو الدم ، ويقول : طمثها إذا دماها بالنكاح .

وإنما عنى في هذا الموضع أنه لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) يقول : لم يدمهن إنس ولا جان .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن إسماعيل ، عن رجل عن علي ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) قال : منذ خلقهن .

حدثنا الحسين بن يزيد الطحان قال : ثنا أبو معاوية الضرير ، عن مغيرة بن مسلم ، عن عكرمة قال : لا تقل للمرأة طامث ، فإن الطمث هو الجماع ، إن الله يقول ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) .

حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) قال : لم يمسهن شيء إنس ولا غيره .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) قال : لم يمسهن .

حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي قال : ثنا مروان بن معاوية ، عن عاصم قال : قلت لأبي العالية امرأة طامث قال : ما طامث ؟ فقال رجل : [ ص: 65 ] حائض . فقال أبو العالية : حائض ، أليس يقول الله - عز وجل - ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) .

فإن قال قائل : وهل يجامع النساء الجن ؟ فيقال : ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) ؟ فإن مجاهدا روي عنه ما حدثني به محمد بن عمارة الأسدي قال : ثنا سهل بن عامر قال : ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد قال : إذا جامع الرجل ولم يسم ، انطوى الجان على إحليله فجامع معه ، فذلك قوله : ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) .

وكان بعض أهل العلم ينتزع بهذه الآية في أن الجن يدخلون الجنة .

ذكر من قال ذلك :

حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي قال : ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرمي قال : ثني أرطأة بن المنذر قال : سألت ضمرة بن حبيب : هل للجن من ثواب ؟ قال : نعم ، ثم نزع بهذه الآية ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) ، فالإنسيات للإنس ، والجنيات للجن .

وقوله : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) يقول - تعالى ذكره - : فبأي آلاء ربكما معشر الجن والإنس - من هذه النعم التي أنعمها على أهل طاعته - تكذبان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث