الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الدرجة الثانية فأمثلتها : كل شبهة لا توجب اجتنابها ، ولكن يستحب اجتنابها كما سيأتي في باب الشبهات إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام ومنها ما يكره اجتنابها فالورع عنها ورع الموسوسين كمن يمتنع من الاصطياد خوفا من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه ، وهذا وسواس .

ومنها ما يستحب اجتنابها ولا يجب وهو ، الذي ينزل عليه قوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك .

ونحمله على نهي التنزيه وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم كل ما أصميت ودع ما أنميت .

والإنماء أن يجري الصيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتا إذ يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر والذي ، نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام ، ولكن تركه من ورع الصالحين .

التالي السابق


(أما الدرجة الثانية فأمثلتها: كل شبهة لا نوجب اجتنابها، ولكن يستحب اجتنابها ) أي: على طريق الاستحباب، (كما سيأتي في كتاب الشبهات) قريبا، (إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام) ، إذ هي إليه أقرب، (ومنها ما يكره اجتنابها والورع عنها ورع الموسوسين) الذين تحكم الوسواس في دماغهم، (كمن يمتنع من الاصطياد) مطلقا (خوفا من أن يكون قد أفلت) ذلك الصيد (من إنسان) كان (أخذه وملكه، وهذا وسواس) محض، وكمن يمتنع من الانتفاع بطين النيل حذرا من أن يكون في أيام زيادته قد جاز على ملك البعض فاختلط به، (ومنها ما يستحب اجتنابها ولا يجب، وهذا الذي يتأول عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم) للحسن بن علي رضي الله عنهما: (دع ما يريبك) أي: يوقعك في الريب، يقال: رابه وأرابه، (إلى ما لا يريبك) ، أي: إلى ما لا تشك فيه من الحلال البين، وقال الطيبي : أي: اترك ما اعترض لك الشك فيه منقلبا عنه إلى ما لا شك فيه .

قال العراقي : رواه النسائي والترمذي والحاكم ، وصححاه في حديث الحسن بن علي اهـ .

قلت: ورواه أحمد من حديث أنس ، والخطيب من حديث ابن عمر ، والطبراني في الكبير من حديث رابعة بن معبد ، وأبو عبد الرحمن السلمي من حديث واثلة ، وقد رويت زيادات في هذا الحديث وهي: فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة ، كذا رواه الطبراني والحاكم والبيهقي من حديث الحسن ، وفي أخرى: فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة. وهكذا رواه الطيالسي وأحمد والترمذي والدارمي وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والبيهقي ، وفي أخرى: فإن الصدق ، وهكذا رواه ابن قانع ، وفي أخرى: فإنك لن تجد ثقل شيء تركته لله عز وجل ، وهذا رواه الخطيب في تاريخه من حديث ابن عمر ، وقال الخليل : الصواب وقفه عليه، وفي هذه الأخبار عموم يقتضي أن الريبة تقع في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الأحكام، وأن ترك الريبة في كل ذلك ورع ، (ونحمله على نهي التنزيه) ، فالأمر للندب لما أن توقي الشبهات مندوبة لا واجبة على الأصح، (وكذلك قوله) صلى الله عليه وسلم: ( كل ما أصميت ) أي: أسرعت إزهاق روحه من الصيد، والإصماء أن يقتل الصيد مكانه، ( ودع ما أنميت ) أي: مما أصبته بنحو سهم أو كلب فمات، ولا يدرى حاله فمات [ ص: 24 ] وإليه أشار المصنف بقوله: (والإنماء) أي: لغة (أن يجرح الصيد) ، أي: يصيبه بنحو سهم أو كلب، (فيغيب عنه) ، فلا يدري ما حاله (ثم يدركه ميتا) .

والحديث قال العراقي : رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس ، ورواه البيهقي موقوفا عليه، وقال: إن المرفوع ضعيف اهـ .

قال الهيثمي : فيه عثمان بن عبد الرحمن أظنه القرشي وهو متروك، (إذ يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر، فالذي نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام، ولكن تركه من ورع الصالحين) ، قال ابن بطال في شرح البخاري : أجمعوا على أن السهم إذا أصاب الصيد فجرحه جاز أكله، ولو لم يعلم مات بالجرح أو من سقوطه في الهواء، أو من وقوعه على الأرض، وأنه لو وقع على جبل مثلا فتردى عنه فمات لا يؤكل، وأن السهم إذا لم ينفذ مقاتله لا يؤكل إلا إذا أدركت ذكاته اهـ .




الخدمات العلمية