الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى

( والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى )

وقوله تعالى : ( والمؤتفكة أهوى ) المؤتفكة المنقلبة ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرئ : " والمؤتفكات " والمشهور فيه أنها قرى قوم لوط لكن كانت لهم مواضع ائتفكت فهي مؤتفكات ، ويحتمل أن يقال : المراد كل من انقلبت مساكنه ودثرت أماكنه ؛ ولهذا ختم المهلكين بالمؤتفكات كمن يقول : مات فلان وفلان وكل من كان من أمثالهم وأشكالهم .

المسألة الثانية : ( أهوى ) أي أهواها بمعنى أسقطها ، فقيل : أهواها من الهوى إلى الأرض من حيث حملها جبريل عليه السلام على جناحه ، ثم قلبها ، وقيل : كانت عمارتهم مرتفعة فأهواها بالزلزلة وجعل عاليها سافلها .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : ( والمؤتفكة أهوى ) على ما قلت كقول القائل : والمنقلبة قلبها وقلب المنقلب تحصيل الحاصل ، نقول : ليس معناه المنقلبة ما انقلبت بنفسها بل الله قلبها فانقلبت .

المسألة الرابعة : ما الحكمة في اختصاص المؤتفكة باسم الموضع في الذكر ، وقال في عاد وثمود وقوم نوح اسم القوم ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين .

أحدهما : أن ثمود اسم الموضع فذكر عادا باسم القوم ، وثمود باسم الموضع ، وقوم نوح باسم القوم ، والمؤتفكة باسم الموضع ؛ ليعلم أن القوم لا يمكنهم صون أماكنهم عن عذاب الله تعالى ولا الموضع يحصن القوم عنه ، فإن في العادة تارة يقوى الساكن فيذب عن مسكنه ، وأخرى يقوى المسكن فيرد عن ساكنه ، وعذاب الله لا يمنعه مانع ، وهذا المعنى حصل للمؤمنين في آيتين ؛ أحدهما قوله تعالى : ( وكف أيدي الناس عنكم ) [ الفتح : 20 ] وقوله تعالى : ( وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ) [ الحشر : 2 ] ففي الأول لم يقدر الساكن على حفظ مسكنه ، وفي الثاني لم يقو الحصن على حفظ الساكن .

والوجه الثاني : هو أن عادا وثمود وقوم نوح كان أمرهم متقدما ، وأماكنهم كانت قد دثرت ، ولكن أمرهم كان مشهورا متواترا ، وقوم لوط كانت مساكنهم وآثار الانقلاب فيها ظاهرة ، فذكر الأظهر من الأمرين في كل قوم .

ثم قال تعالى : ( فغشاها ما غشى ) يحتمل أن يكون " ما " مفعولا وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون [ ص: 23 ] فاعلا يقال : ضربه من ضربه ، وعلى هذا نقول : يحتمل أن يكون الذي غشى هو الله تعالى ، فيكون كقوله : ( والسماء وما بناها ) [ الشمس : 5 ] ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى سبب غضب الله عليهم أي غشاها عليهم السبب ، بمعنى أن الله غضب عليهم بسببه ، يقال : لمن أغضب ملكا بكلام فضربه الملك : كلامك الذي ضربك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث