الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الاستحلاف

الرتبة الثالثة ، أن لا يشتهر في المسألة خلاف أصلا ، ولكن يكون الحل معلوما بخبر الواحد فيقول القائل : قد اختلف الناس في خبر الواحد فمنهم من لا يقبله فأنا أتورع .

فإن النقلة وإن كانوا عدولا فالغلط جائز عليهم والكذب لغرض خفي جائز عليهم لأن العدل أيضا قد يكذب والوهم جائز عليه فإنه قد يسبق إلى سمعهم خلاف ما يقوله القائل ، وكذا إلى فهمهم فهذا ورع لم ينقل مثله عن الصحابة فيما كانوا يسمعونه من عدل تسكن نفوسهم إليه .

وأما إذا تطرقت شبهة بسبب خاص ودلالة معينة في حق الراوي فللتوقف وجه ظاهر ، وإن كان عدلا .

وخلاف من خالف في أخبار الآحاد غير معتد به .

التالي السابق


(المرتبة الثالثة، أن لا يشتهر في المسألة خلاف أصلا، ولكن يكون الحل معلوما بخبر الواحد ) بأن يرويه واحد عن واحد، وهكذا إلى الطبقة الأخيرة، (فيقول القائل: قد اختلف في خبر الواحد) ، أي: في العمل به ، (فمنهم من لا يقبله) ، وهم الشيعة ، وبعض المعتزلة كما سيأتي بيانه .

(فأنا أتورع) وأحتاط، (فإن النقلة) محركة جمع ناقل، أي: حملة الأخبار وناقلوه، (وإن كانوا عدولا) أي: ثبتت عدالتهم، (فالغلط جائز عليهم والكذب لغرض خفي) بحيث لا يدركه إلا الأفراد، (جائز عليهم) جوازا عقليا، (فإن العدل أيضا قد يكذب والوهم جائز عليهم) ، ولا مانع من ذلك، (فإنه قد يسبق إلى سمعهم خلاف ما يقوله القائل، وكذا إلى فهمهم) ، وفي بعض النسخ: فإنه قد يسبق إلى فهمهم خلاف ما يقوله القائل، (فهذا ورع لم ينقل مثله عن الصحابة) رضوان الله عليهم، (فما كانوا يستمعونه من عدل) كانت (تسكن نفوسهم إليه) ، وتطمئن بما سمعوه وتلقفوه، (فأما إذا تطرقت تهمة) ، أي: عرض ما يتهم به، (بسبب خاص ودلالة معينة في حق الراوي) لذلك الخبر، (فللتوقف) عن العمل بما رواه (وجه ظاهر، وإن كان عدلا) في نفسه، (وخلاف من خالف في أخبار الآحاد غير معتد به) .

اعلم أن الجمهور على أنه لا يشترط في الصحيح عدد فيحكم بصحة خبر الواحد إذا كان عدلا ضابطا، وذهب المعتزلة [ ص: 73 ] إلى اشتراط العدد كالشهادة، وردوا خبر الواحد، ووافقهم من المحدثين إبراهيم بن علية إلا أنه مهجور القول عند الأئمة لميله إلى الاعتزال، وفي كلام الحاكم إشارة إليه، وجزم به ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول، وقال أبو علي الجبائي : لا يقبل الخبر إذا رواه العدل الواحد إلا إذا انضم إليه خبر عدل آخر، وعضده موافقة ظاهر الكتاب أو ظاهر خبر آخر، ويكون منتشرا بين الصحابة أو عمل به بعضهم، حكاه أبو الحسن البصري في المعتمد، واحتجوا بقصة ذي اليدين ، فإنه صلى الله عليه وسلم توقف في خبره حتى تابعه عليه غيره; حيث قال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم . رواه الشيخان، وبأن أبا بكر لم يقبل خبر المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس ، وقال: هل معك غيرك؟ فوافقه محمد بن مسلمة الأنصاري ، فأنفذه لها أبو بكر . رواه أبو داود .

وبأن عمر لم يقبل خبر أبي موسى الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له، فليرجع" . وقال: أقم عليه البينة، فوافقه أبو سعيد الخدري رواه الشيخان، وأجاب الأولون بأن قصة ذي اليدين إنما حصل التوقف في خبره; لأنه أخبر عن فعله صلى الله عليه وسلم وأمر الصلاة لا يرجع المصلي فيه إلى خبر غيره، بل ولو بلغوا حد التواتر فلعله إنما تذكر عند إخبار غيره، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله واحدا واحدا إلى الملوك، ووفد عليه الآحاد من القبائل، فأرسلهم إلى قبائلهم، وكانت الحجة قائمة بأخبارهم عنه مع عدم اشتراط التعدد، وأما توقف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلإرادة التثبيت لا لعدم قبول خبر الواحد ، وقد قال عمر في خبر الاستئذان: إنما سمعت شيئا، فأجبت أن أتثبت ، رواه مسلم .

وقد قبل أبو بكر خبر عائشة رضي الله عنهما وحدها في قدر كفن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبل عمر خبر ابن عوف رضي الله عنهما وحده في أخذه الجزية من المجوس ، أخرجه البخاري ، وفي الرجوع عن البلد الذي فيه الطاعون أخرجه الشيخان، وخبر الضحاك بن سفيان في توريث امرأة أشيم من دية زوجها، أخرجه أبو داود ، وخبر حمل بن مالك بن النابغة في الغرة، أخرجه البيهقي ، وقد قبل عثمان خبر الفريعة أخت أبي سعيد الخدري في سكنى المعتدة عن الوفاة ، أخرجه البيهقي ، وقبل علي خبر أبي بكر رضي الله عنهما في صلاة ركعتين لمن أذنب، أخرجه الأربعة وابن حبان ، وقد استدل الشافعي وغيره على قبول خبر الواحد بحديث ابن عمر في الصحيحين في استدارتهم إلى الكعبة ، قال الشافعي : فقد تركوا قبلة كانوا عليها بخبر واحد، ولم ينكر ذلك عليهم صلى الله عليه وسلم، وبحديث أنس في الصحيحين أيضا في إهراق قلال الخمر، وبحديث إرساله عليا إلى الموقن بنزول سورة براءة، أخرجه الترمذي وحسنه، وغير ذلك من الأخبار .

قال السيوطي في شرح الألفية: وقد يستدل له من القرآن بقوله تعالى: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ، فأمر بالتثبيت عند إخبار الفاسق، ومفهومه أنه لا يجب التثبيت عند إخبار العدل، وذلك صادق بالواحد; لأن سبب نزول الآية إخبار الوليد بن عتبة عن بني المصطلق أنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة، واعتماد النبي صلى الله عليه وسلم على خبره .



(فصل) :

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنت إذا حدثني أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم استحلفته، فإن حلف لي صدقته" . أخرجه أحمد والأربعة وابن حبان .

قال الحافظ ابن حجر في نكته: وهذا الصنيع في الاستحلاف أنكر البخاري صحته عن علي ، وعلى تقدير ثبوته فهو مذهب تفرد به، والحامل له على ذلك المبالغة في الاحتياط اهـ. وقال أبو حيان في التفسير عن علي رضي الله عنه: أنه كان يحلف الراوي والشاهد، إذا اتهمهما . وقال المصنف في المنخول في الرد على من أنكر قبول خبر الواحد: فإن قيل روي أن عليا كان يحلف الراوي، قلنا: فحلفوا أنتم واقبلوا، ثم كان يحلفه عند التهمة، وكان لا يحلف أعيان الصحابة، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث