الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى بأكواب وأباريق وكأس من معين

( بأكواب وأباريق وكأس من معين ) .

ثم قال تعالى : ( بأكواب وأباريق وكأس من معين ) .

أواني الخمر تكون في المجالس ، وفي الكوب وجهان :

أحدهما : أنه من جنس الأقداح وهو قدح كبير .

وثانيهما : من جنس الكيزان ولا عروة له ولا خرطوم والإبريق له عروة وخرطوم ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : ما الفرق بين الأكواب والأباريق والكأس حيث ذكر الأكواب والأباريق بلفظ الجميع ، والكأس بلفظ الواحد ، ولم يقل : وكئوس ؟ نقول : هو على عادة العرب في الشرب يكون عندهم أوان كثيرة فيها الخمر معدة موضوعة عندهم ، وأما الكأس فهو القدح الذي يشرب به الخمر إذا كان فيه الخمر ولا يشرب واحد في زمان واحد إلا من كأس واحد ، وأما أواني الخمر المملوءة منها في زمان واحد فتوجد كثيرا ، فإن قيل : الطواف بالكأس على عادة أهل الدنيا وأما الطواف بالأكواب والأباريق فغير معتاد فما الفائدة فيه ؟ نقول : عدم الطواف بها في الدنيا لدفع المشقة عن الطائف لثقلها ، وإلا فهي محتاج إليها بدليل أنه عند الفراغ يرجع إلى الموضع الذي هو فيه ، وأما في الآخرة فالآنية تدور بنفسها والوليد معها إكراما لا للحمل ، وفيه وجه آخر من حيث اللغة ، وهو أن الكأس إناء فيه شراب فيدخل في مفهومه المشروب ، والإبريق آنية لا يشترط في [ ص: 132 ] إطلاق اسم الإبريق عليها أن يكون فيها شراب ، وإذا ثبت هذا فنقول : الإناء المملوء الاعتبار لما فيه لا للإناء ، وإذا كان كذلك فاعتبار الكأس بما فيه لكن فيه مشروب من جنس واحد وهو المعتبر ، والجنس لا يجمع إلا عند تنوعه فلا يقال للأرغفة من جنس واحد : أخباز ، وإنما يقال : أخباز عندما يكون بعضها أسود وبعضها أبيض ، وكذلك اللحوم يقال عند تنوع الحيوانات التي منها اللحوم ولا يقال للقطعتين من اللحم : لحمان ، وأما الأشياء المصنفة فتجمع ، فالأقداح وإن كانت كبيرة لكنها لما ملئت خمرا من جنس واحد لم يجز أن يقال لها : خمور ، فلم يقل : كئوس وإلا لكان ذلك ترجيحا للظروف ؛ لأن الكأس من حيث إنها شراب من جنس واحد لا يجمع واحد فيترك الجمع ترجيحا لجانب المظروف بخلاف الإبريق ، فإن المعتبر فيه الإناء فحسب ، وعلى هذا يتبين بلاغة القرآن حيث لم يرد فيه لفظ الكئوس إذ كان ما فيها نوع واحد من الخمر ، وهذا بحث عزيز في اللغة .

المسألة الثانية : في تأخير الكأس ترتيب حسن ، فكذلك في تقديم الأكواب إذا كان الكوب منه يصب الشراب في الإبريق ومن الإبريق الكأس .

المسألة الثالثة : ( من معين ) بيان ما في الكأس أو بيان ما في الأكواب والأباريق ، نقول : يحتمل أن يكون الكل من معين والأول أظهر بالوضع ، والثاني ليس كذلك ، فلما قال : ( وكأس ) فكأنه قال : ومشروب ، وكأن السامع محتاجا إلى معرفة المشروب ، وأما الإبريق فدلالته على المشروب ليس بالوضع ، وأما المعنى فلأن كون الكل ملآنا هو الحق ، ولأن الطواف بالفارغ لا يليق فكان الظاهر بيان ما في الكل ، ومما يؤيد الأول هو أنه تعالى عند ذكر الأواني ذكر جنسها لا نوع ما فيها فقال تعالى : ( ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب ) [ الإنسان : 15 ] الآية ، وعند ذكر الكأس بين ما فيها فقال : ( وكأس من معين ) فيحتمل أن الطواف بالأباريق ، وإن كانت فارغة ، للزينة والتجمل وفي الآخرة تكون للإكرام والتنعم لا غير .

المسألة الرابعة : ما معنى المعين ؟ قلنا : ذكرنا في سورة الصافات أنه فعيل أو مفعول ومضى فيه خلاف ، فإن قلنا : فعيل فهو من معين الماء إذا جرى ، وإن قلنا : مفعول فهو من عانه إذا شخصه بعينه وميزه ، والأول أصح وأظهر ؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب ؛ لأن قول القائل : عانني فلان معناه ضرني إذا أصابتني عينه ، ولأن الوصف بالمفعول لا فائدة فيه ، وأما الجريان في المشروب فهو إن كان في الماء فهو صفة مدح وإن كان في غيره فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا ، فيكون كقوله تعالى : ( وأنهار من خمر ) [ محمد : 15 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث