الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 1100 ] القول في تأويل قوله تعالى:

وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا [2]

وآتوا اليتامى أموالهم شروع في تفصيل موارد الاتقاء ومظانه بتكليف ما يقابلها أمرا ونهيا.

وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم ولملابستهم بالأرحام، إذ الخطاب للأولياء والأوصياء، وقلما تفوض الوصاية إلى الأجانب.

واليتيم من مات أبوه، من اليتم، وهو الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة، والقياس الاشتقاقي يقتضي وقوعه على الصغار والكبار، وقد خصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم، كما روى أبو داود بإسناد حسن عن علي – رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يتم بعد احتلام .

وفي الآية وجوه:

الأول: أن يراد باليتامى الكبار الذين أونس منهم الرشد مجازا، باعتبار ما كان، أوثر لقرب العهد بالصغر، والإشارة إلى [ ص: 1101 ] وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حينئذ، حتى كأن اسم اليتيم باق بعد، غير زائل.

الثاني: أن يراد بهم الكبار حقيقة، واردة على أصل اللغة.

الثالث: أن يراد بهم الصغار، وبـ (الإيتاء) ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة، لا دفعها إليهم، وفيه بعد.

الرابع: أن يراد بهم ما ذكر، وبـ(إيتائهم) الأموال أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء، ولاة السوء وقضاته، ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة حتى تؤتى اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة، فالتجوز في الإيتاء حينئذ باستعماله في لازم معناه وهو تركها سالمة؛ لأنها لا تؤتى إلا إذا كانت كذلك.

قال الناصر في "الانتصاف": هذا الوجه قوي بقوله بعد آيات: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [النساء: من الآية 6] دل على أن الآية الأولى في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم، والثانية في الحض على الإيتاء الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد.

ويقويه أيضا قوله عقيب الأولى: ولا تتبدلوا إلخ، فهذا كله تأديب للوصي ما دام المال بيده واليتيم في حجره.

وأما على الوجه الأول فيكون مؤدى الآيتين واحدا وهو الأمر بالإيتاء حقيقة، ويخلص عن التكرار بأن الأولى كالمجملة والثانية كالمبينة لشرط الإيتاء: من البلوغ وإيناس الرشد، والله أعلم.

ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب أي: ولا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم، وما أبيح لكم من المكاسب، ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم نهي عن منكر آخر كانوا يتعاطونه، أي: لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم مخلوطة بها للتوسعة إنه أي: الأكل: كان حوبا أي: ذنبا [ ص: 1102 ] عظيما، وقرئ بفتح الحاء، وقوله تعالى: كبيرا مبالغة في بيان عظم ذنب الأكل المذكور، كأنه قيل: من كبار الذنوب.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث