الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        معلومات الكتاب

                                        إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

                                        ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

                                        صفحة جزء
                                        171 - الحديث الثاني : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليس فيما دون خمس أواق صدقة . ولا فيما دون خمس ذود صدقة . ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة } .

                                        التالي السابق


                                        يقال " أواقي " بالتشديد والتخفيف ، وتحذف الياء . ويقال : أوقية - بضم الهمزة وتشديد الياء - ووقية . وأنكرها بعضهم " والأوقية " أربعون درهما ، فالنصاب مائتا درهم ، والدرهم : ينطلق على الخالص حقيقة .

                                        فإن كان مغشوشا لم تجب الزكاة حتى يبلغ من الخالص مائتي درهم و " الذود " قيل : إنه ينطلق على الواحد . وقيل : إنها كالقوم والرهط . والحديث دليل على الزكاة فيما دون هذه المقادير من هذه الأعيان وأبو حنيفة يخالف في زكاة الحرث . ويعلق الزكاة بكل قليل وكثير منه . ويستدل له بقوله عليه السلام { فيما سقت السماء العشر ، وفيما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر } وهذا عام في القليل والكثير . وأجيب عن هذا بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرج ، لا بيان المخرج منه . وهذا فيه قاعدة أصولية . وهو أن الألفاظ العامة بوضع اللغة على ثلاث مراتب .

                                        أحدها : ما ظهر فيه عدم قصد التعميم ، ومثل بهذا الحديث . [ ص: 380 ] والثانية : ما ظهر فيه قصد التعميم بأن أورد مبتدأ لا على سبب ، لقصد تأسيس القواعد . والثالثة : ما لم يظهر فيه قرينة زائدة تدل على التعميم . ولا قرينة تدل على عدم التعميم . وقد وقع تنازع من بعض المتأخرين في القسم الأول في كون المقصود منه عدم التعميم . فطالب بعضهم بالدليل على ذلك . وهذا الطريق ليس بجيد ; لأن هذا أمر يعرف من سياق الكلام ، ودلالة السياق لا يقام عليها دليل ، وذلك لو فهم المقصود من الكلام ، وطولب بالدليل عليه لعسر . فالناظر يرجع إلى ذوقه ، والمناظر يرجع إلى دينه وإنصافه . واستدل بالحديث من يرى أن النقصان اليسير في الوزن يمنع وجوب الزكاة وهو ظاهر الحديث . ومالك يسامح بالنقص اليسير جدا ، الذي تروج معه الدراهم والدنانير رواج الكامل . وأما " الأوسق " فاختلف أصحاب الشافعي في أن المقدار فيها تقريب أو تحديد . ومن قال : إنه تقريب يسامح باليسير ، وظاهر الحديث : يقتضي أن النقصان لا يؤثر . والأظهر : أن النقصان اليسير جدا الذي لا يمنع إطلاق الاسم في العرف ، ولا يعبأ به أهل العرب : أنه يغتفر .




                                        الخدمات العلمية