الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحالة الثالثة أن يدخل عليك السلطان الظالم زائرا

الحالة الثانية : أن يدخل عليك السلطان الظالم زائرا فجواب السلام لا بد منه .

وأما القيام والإكرام له فلا يحرم مقابلة له على إكرامه .

فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للإحماد كما أنه بالظلم مستحق للإبعاد .

فالإكرام بالإكرام والجواب بالسلام .

ولكن الأولى أن لا يقوم إن كان معه في خلوة ليظهر له بذلك عز الدين وحقارة الظلم ويظهر غضبه للدين وإعراضه عمن أعرض عن الله فأعرض الله تعالى عنه .

وإن كان الداخل عليه في جمع فمراعاة حشمة أرباب الولايات فيما بين الرعايا مهم فلا بأس بالقيام على هذه النية .

وإن علم أن ذلك لا يورث فسادا في الرعية ولا يناله أذى من غضبه فترك الإكرام بالقيام أولى ثم يجب عليه بعد أن وقع اللقاء أن ينصحه فإن كان قارف ما لا يعرف تحريمه وهو يتوقع أن يتركه إذا عرف فليعرفه فذلك واجب .

وأما ، ذكر تحريم ما يعلم تحريمه من السرف والظلم فلا فائدة فيه بل عليه أن يخوفه فيما يرتكبه من المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر فيه .

وعليه أن يرشده إلى طريق المصلحة إن كان يعرف طريقا على وفق الشرع بحيث يحصل بها غرض الظالم من غير معصية ليصده بذلك عن الوصول إلى غرضه بالظلم .

فإذا يجب عليه التعريف في محل جهله والتخويف فيما هو مستجرئ عليه والإرشاد إلى ما هو غافل عنه مما يغنيه عن الظلم ، فهذه ثلاثة أمور تلزمه إذا توقع للكلام فيه أثرا وذلك أيضا لازم على كل من اتفق له دخول على السلطان بعذر أو بغير عذر .

وعن محمد بن صالح قال : كنت عند حماد بن سلمة وإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس عليه ومصحف يقرأ فيه ، وجراب فيه علمه ومطهرة يتوضأ منها فبينا أنا عنده إذ دق داق الباب ، فإذا هو محمد بن سليمان ، فأذن له فدخل وجلس بين يديه ثم قال له ما لى : إذا رأيتك امتلأت منك رعبا قال حماد : لأنه قال عليه السلام : إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء وإن ، أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء .

ثم عرض عليه أربعين ألف درهم وقال : تأخذها وتستعين بها قال : ارددها على من ظلمته بها .

قال والله ما أعطيتك إلا مما ورثته ، قال : لا حاجة لي بها فتأخذها : فتقسمها قال : لعلي إن عدلت في قسمتها أخاف أن يقول بعض من لم يرزق منها ، إنه لم يعدل في قسمتها فيأثم فازوها عني .

التالي السابق


(الحالة الثانية : أن يدخل عليك السلطان الظالم زائرا فجواب السلام لا بد منه ) ، ولا يجوز الإعراض عن جواب السلام (وأما القيام) له من مجلسه (والإكرام) بأن يقدم له تكرمة من فراش أو وسادة، ويجلسه في أعلى مجلس، (فلا يحرم مقابلة له على إكرامه، فإنه بإكرامه للعلم والدين مستحق للإحماد كما أنه بالظلم مستحق للإبعاد، فالإكرام بالإكرام) أي: في مقابلته، (والجواب بالسلام، ولكن الأولى أن لا يقوم) عن موضعه حين دخوله عليه، (إن كان معه في خلوة) من الناس، (ليظهر له بذلك عز الدين) وأهله، (وحقارة الظلم) وأهله، (ويظهر غضبه للدين) أي: حمية له، (و) يظهر (إعراضه عمن أعرض الله عنه) ممن أخلد في ظلمه واسترسل في مخالفاته، فقد روى ابن عساكر في حديث ابن عمر : من أرعب صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنا وأمانا، ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله من الفزع الأكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة، ومن لان له إذا لقيه بتثبت، فقد استخف بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان هذا في صاحب بدعة، فالظالم بطريق الأولى، (وإن دخل عليه) ، وهو (في جمع) أو معه جمع، (فمراعاة حشمه أرباب الولايات فيما بين الرعايا مهم) ضروري، (فلا) بأس بالقيام على هذه النية، وإن علم أن ذلك لا يورث فسادا في (الرعية ولا يناله أذى من غضبه) ولا حقد عليه في نفسه، ( فترك الإكرام بالقيام أولى ) روى المزي في التهذيب عن إبراهيم بن ميسرة ، قال: كان ابن سليمان بن عبد الملك يجلس إلى جنب طاوس ، فلم يلتفت إليه فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، قال: أردت أن يعلم أن لله عز وجل عبادا يزهدون فيما بيديه . وقد ألف النووي رحمه الله تعالى في هذه المسألة كتابا سماه [الترخيص بالقيام] أورد فيه ما ذكره المصنف من التنويعات وزاد: (ثم يجب عليه بعد أن وقع اللقاء) في محله (أن ينصحه) بأنواع من حكايات وضروب أمثال، وشيء من الآيات والأخبار، ولا يقابله في كل ذلك تجهما وتكثرا لتقع النصيحة في محلها، (وإن كان يقارف) أي: يرتكب (ما لا يعرف تحريمه) لجهله أو أنفة من التعليم، (وهو يتوقع أن يتركه إذا عرفه فليعرفه) ليرتدع عنه، وكذا إذا علم منه أنه يرى بعض ما يقارفه مستحلا أو يستهون في أمورهن في الحقيقة لا يجوز الإقدام عليها بواسطة إلقاء من يخالطه من المتفقهة ممن يؤثرون الدنيا على الدين، فينبغي تنبيهه على ذلك، ويعرفه ما هو الحق ويريه مواقع الاتفاق والاختلاف ليكون على بصيرة من ذلك، (فذلك واجب، فأما ما ذكر تحريم ما يعلم تحريمه من الزنا والظلم) ، والغصب وشرب الخمر، وأمثال ذلك، (فلا فائدة فيه) إذ قد علم تحريمها واشتهر كنار على علم، فالتكرار في ذكر [ ص: 136 ] تحريمها غير مفيد، (بل عليه أن يخوفه فيما يرتكب من) أنواع (الظلم) وصنوف (المعاصي مهما ظن) بإمارة دالة (أن التخويف يؤثر فيه، وعليه أن يرشده إلى طريق المصلحة) أي: ما فيه مصلحة له، (إن كان يعرف طريقا على وفق الشرع بحيث يحصل بها غرض الظالم من غير) ارتكاب (معصية فيصده) أي: يمنعه (بذلك عن الوصول إلى غرضه بالظلم، فإذا يجب عليه التعريف في محل جهله والتخويف فيما هو مستجرئ عليه) ، أي: قادم عليه بجراءته وتهوره، (والإرشاد إلى ما هو غافل عنه مما يغنيه عن الظلم، فهذه ثلاثة أمور تلزمه إذا توقع للكلام فيه أثرا) ظاهرا، (وذلك أيضا لازم لكل من اتفق له دخول على السلطان بعذر أو بغير عذر) سواء دعاه لمصلحة دينية أو دنيوية أو ابتدأ بالدخول عليه، (روي عن محمد بن صالح) بن عبد الرحمن البغدادي أبي بكر الأنماطي، ثقة مات سنة إحدى وسبعين على الصحيح. (قال: كنت عند حماد بن سلمة) بن دينار البصري، العابد، يكنى أبا سلمة مات سنة سبع وستين، روى له البخاري في الأدب، ومسلم والأربعة، (فإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس عليه ومصحف يقرأ فيه، وجراب فيه علمه) أي: الأحاديث التي كتبها عن شيوخه، (ومطهرة يتوضأ منها فبينا أنا عنده إذ دق الباب، فإذا هو) .

وقد أخرجه الخطيب وابن عساكر وابن النجار في تواريخهم عن مقاتل بن صالح الخراساني ، قال: دخلت على حماد بن سلمة ، فبينا أنا عنده جالس إذ دق داق الباب، فقال: يا صبية اخرجي، فانظري من هذا، فقالت: هذا رسول محمد بن سلمان الهاشمي ، وهو أمير البصرة والكوفة ، قال: قولي له يدخل وحده، فدخل فسلم، فناوله كتابه، فقال: اقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن سلمان إلى حماد بن سلمة ، أما بعد فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته وقعت مسألة، فأتنا نسألك عنها، فقال: يا صبية هلمي الدواة، ثم قال لي: اقلب الكتاب واكتب: أما بعد، وأنت فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدا، فإن وقعت مسألة، فأتنا فاسألنا عما بدا لك، وإن أتيتني فلا تأتني إلا وحدك، ولا تأتني بخيلك ورجلك، فلا أنصحك ولا أنصح نفسي والسلام ، فبينا أنا عنده إذ دق داق الباب، فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا، قالت: هذا ( محمد بن سليمان ، فأذن له) ، ورواية الجماعة قال: قولي له يدخل وحده، (فدخل) وسلم، (وجلس بين يديه ثم) ابتدأ و (قال: ما لي إذا رأيتك) ، ولفظ الجماعة: إذا نظرت إليك، (امتلأت منك رعبا) أي: خوفا وهيبة، (فقال حماد : لأنه صلى الله عليه وسلم قال:) ولفظ الجماعة: فقال: سمعت ثابتا البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، فإن أراد) ولفظ الجماعة: وإن أراد، (أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء) .

قال العراقي : هذا معضل وروى أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب من حديث واثلة بن الأسقع : "من خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء" . وللعقيلي في الضعفاء نحوه من حديث أبي هريرة ، وكلاهما منكر اهـ، قلت: تقدم هذا الحديث في هذه القصة، رواه حماد عن ثابت عن أنس ، أخرجه الخطيب وابن عساكر ، وابن النجار ، فلا يكون معضلا مع تصريح حماد بسماعه من ثابت ، وتصريح ثابت بسماعه من أنس ، وأما حديث واثلة فقد أخرجه أيضا الديلمي والقضاعي ، وأخرجه العسكري في الأمثال من حديث الحسين بن علي رفعه: "من خاف الله أخاف منه كل شيء" .

وأخرجه أيضا عن ابن مسعود من قوله: بزيادة الشق الآخر، "ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء" ، وقال المنذري في الترغيب: رفعه منكر، لكن في الباب عن علي وغيره وبعضها يقوي بعضا، وقال عمر بن عبد العزيز : "من خاف الله أخاف منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء" . رواه البيهقي في الشعب، (ثم عرض عليه أربعين ألف درهم وقال: تأخذها وتستعين بها) أي: نفقتك (قال: ارددها على من ظلمته بها) أي: لأرباب الحقوق، (قال) محمد بن سليمان : لما استشعر أنه ربما ظن أن تلك الدراهم من الحرام، (والله ما أعطيتك إلا مما ورثته، قال: لا حاجة لي بها) ردها، (قال: فتأخذ فتقسمها) أي: على من يستحقها، (قال: لعلي إن عدلت في قسمتها أخاف أن يقول بعض من لم يرزق) أي: لم يعط (منها، إنه لم يعدل في قسمتها) ، بل [ ص: 137 ] أعطى أناسا وترك أناسا، (فيأثم) بسببي، (فازوها عني) أي: نحها وغيبها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث