الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولما كان فطم أنفسهم عن منع الأطفال؛ والنساء؛ شديدا عليهم؛ لمرونهم عليه؛ بمرور الدهور الطويلة على إطباقهم على فعله؛ واستحسانهم له؛ أتبعه - سبحانه - الترغيب؛ والترهيب؛ لئلا يغتر بوصف الحليم؛ فقال - معظما للأمر بأداة البعد؛ ومشيرا إلى جميع ما تقدم من أمر المواريث؛ والنساء؛ واليتامى؛ وغيره -: تلك ؛ أي: هذه الحدود الجليلة النفع؛ العظيمة الجدوى؛ المذكورة من أول هذه السورة؛ بل من أول القرآن؛ حدود الله ؛ أي: الملك الأعظم؛ فمن راعاها - ولو لم يقصد [ ص: 214 ] طاعته؛ بل رفعا لنفسه عن دناءة الإخلاد إلى الفاني؛ ومعرة الاستئثار على الضعيف؛ المنبئ عن البخل؛ وسفول الهمة - نال خيرا كبيرا؛ فإنه يوشك أن يجره ذلك إلى أن يكون ممن يطيع الله؛ ومن يطع الله ؛ الحائز لصفتي الجلال؛ والإكرام؛ ورسوله ؛ أي: في جميع طاعاته؛ هذه وغيرها؛ بالإقبال عليها؛ وترك ما سواها لأجله - سبحانه -; قال الأصبهاني: "من"؛ عام؛ ووقوعه عقيب هذه التكاليف الخاصة لا يخصصه".

                                                                                                                                                                                                                                      ولما تشوف السامع بكليته إلى الخبر؛ التفت إليه؛ تعظيما للأمر - على قراءة نافع؛ وابن عامر بالنون - فقال: "ندخله جنات"؛ أي: بساتين؛ وقراءة الجماعة بالياء عظيمة أيضا؛ لبنائها على الاسم الأعظم؛ وإن كانت هذه أشد تنشيطا بلذة الالتفات؛ تجري من تحتها الأنهار ؛ أي: لأن أرضها معدن المياه؛ ففي أي موضع أردت جرى نهر؛ فهي لا تزال يانعة غضة؛ وجمع الفائزين بدخول الجنة في قوله: خالدين فيها ؛ تبشيرا بكثرة الواقف عند هذه الحدود؛ ولأن منادمة الإخوان من أعلى نعيم الجنان. [ ص: 215 ] ولما كان اختصاصهم بالإرث عن النساء؛ والأطفال؛ من الفوز عندهم؛ بل لم يكن الفوز العظيم عندهم إلا الاحتواء على الأموال؛ وبلوغ ما في البال منها من الآمال؛ قال (تعالى) - معظما بأداة البعد -: وذلك ؛ أي: الأمر العالي المرتبة؛ من الطاعة المندوب إليها؛ الفوز العظيم ؛ أي: لا غيره من الاحتواء على ما لم يأذن به الله؛ وهذا أنسب شيء لتقديم الترغيب؛ لتسمح نفوسهم بترك ما كانوا فيه؛ مع ما فيه من التلطف بهذه الأمة؛ والتبشير له - صلى الله عليه وسلم - بأنها مطيعة راشدة.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية