الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 95 ] قاعدة في الوسيلة [ ص: 96 ] [ ص: 97 ] بسم الله الرحمن الرحيم

ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين -رضي الله عنهم أجمعين- فيمن عاب أقوالا نقلها جماعة من أكابر الأئمة وأعيان سادات هذه الأمة :

أولها : ما أورده الشيخ أبو الحسين القدوري الحنفي في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهية ، وصورة اللفظ : "قال بشر بن الوليد : حدثنا أبو يوسف ، قال : قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به ، وأكره أن يقول : بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك . وهو قول أبي يوسف .

قال أبو يوسف : "بمعقد العز من عرشك" هو الله ، فلا أكره هذا . وأكره أن يقول : بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، وبحق البيت والمشعر الحرام .

قال القدوري : المسألة بخلقه لا تجوز ، لأنه لا حق للخلق على الخالق ، فلا يجوز . [ ص: 98 ]

وثانيها : ما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيري في كتابه المسمى "التحبير في علم التذكير" المشتمل على تفسير معاني أسماء الله عز وجل ، وصورة اللفظ أنه قال : علم الحق سبحانه أنه ليس لك أسام مرضية ، فقال تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، ولأن تكون بأسماء ربك داعيا خير لك من أن تكون بأسماء نفسك مدعيا ، فإنك إن كنت بك كنت بمن لم يكن ، وإذا كنت به كنت بمن لم يزل ، فشتان بين وصف وبين وصف .

وقال : من عرف اسم ربه نسي اسم نفسه ، بل من صحب اسم ربه تحقق بروح أنسه قبل وصوله إلى دار قدسه ، بل من عرف اسم ربه سمت رتبته ، وعلت في الدارين منزلته .

وثالثها : ما ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام في فتاويه المشهورة ، وصورة اللفظ أنه قال : لا يجوز التوسل في الدعاء بأحد من الأنبياء والصالحين إلا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن صح حديث الأعمى .

وزعم العائب لهذه الأقوال والطاعن على معانيها أن فيها تنقصا بعباد الله الصالحين ، واستخفافا بحرمة البيت والمشعر الحرام .

فهل في هذه الأقوال المذكورة تنقص واستخفاف والحالة هذه أو لا؟ [ ص: 99 ] وهل يجوز ردها بمجرد رأي الإنسان وما جرت به عوائد بعض أهل الزمان أم لا؟

وهل اشتهر عن الأئمة الأكابر المتبوعين خلاف لهذه الأقوال؟

وهل صح حديث الأعمى الذي أورده الترمذي في جامعه ؟

وهل في صريح لفظه ما يبطل الأقوال المذكورة ويوجب اعتقاد خلافها؟

وهل يجوز الحلف بغير الله تعالى؟ وإذا لم يجز هل يجوز التحليف والإقسام بغير الله؟

والراد لهذه الأقوال المتقدم ذكرها والطاعات فيها ، إذا لم يكن عنده دليل شرعي قاطع يدفعها به ، هل يردع عن ذلك ويزجر؟

فأجاب -رضي الله عنه-

الحمد لله ، ليس في شيء من هذه الأقوال تنقص ولا استخفاف ، لا بصالحي عباد الله ولا بشعائر الله ، وإنما يكون متنقصا من نقصهم عن منزلتهم التي جعلهم الله بها ، كمن لا يرى حج البيت قربة وطاعة لله ، ولا يرى الوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى ، كما كان بعض أهل الجاهلية لا يرون الصفا والمروة من شعائر الله ، وكان بعضهم يخاف -إذ كانوا يعظمونها في الجاهلية- أن تكون من شعائر الله [ ص: 100 ] في الإسلام ، فأنزل الله قوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله جوابا للطائفتين ، كما ثبت ذلك في الصحاح .

وكمن لا يرى تعظيم الهدي والضحايا التي قال الله فيها :

ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق .

وكمن لا يرى تعظيم حرمات الله ، فلا يحرم صيد الحرم ونباته وسائر ما حرم الله تعالى من المحرمات ، فإن الواجب على الخلق فعل ما أمر الله به من العبادات ، واجتناب ما حرمه من المحرمات ، فإن هذا وهذا من دين الله الذي بعث به رسله ، ولهذا قال الله تعالى : ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه .

ومن تمام تعظيم البيت أن يعبد الله فيه كما شرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيطاف به ، ويستلم الركنان اليمانيان ، ويقبل الحجر الأسود .

فلو قال قائل : من تعظيمه استلام الركنين الشاميين ، وتقبيل مقام إبراهيم والمسح به ، أو تقبيل غير الحجر الأسود من جدران الكعبة ، ونحو ذلك مما قد يظنه بعض الناس تعظيما كان هذا غلطا .

وإذا نهاه ناه عن ذلك فقال : نهيك لي عن هذا تنقص واستخفاف بحرمة البيت ، كان قد غلط غلطا ثانيا . [ ص: 101 ]

ولهذا لما طاف ابن عباس ومعاوية بالبيت فكان ابن عباس لا يستلم إلا الركنين اليمانيين ، واستلم معاوية الأركان الأربعة ، فقال ابن عباس : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستلم إلا الركنين اليمانيين ، فقال معاوية : ليس من البيت شيء مهجور ، فقال له ابن عباس : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، فسكت معاوية ووافق ابن عباس .

فمعاوية احتج بأن البيت كله معظم لا يهجر منه شيء ، فأجابه ابن عباس بأن العبادات يجب فيها اتباع ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته ، ليس لأحد أن يشرع برأيه عبادة لما يراه في ذلك من تعظيم الشعائر .

فوافقه معاوية ، وعلم أن الصواب مع ابن عباس .

وكذلك ما ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب لما قبل الحجر الأسود قال : والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك لما قبلتك .

بين عمر -رضي [الله] عنه- أن العبادات مبناها على متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، إذ كان دين الإسلام مبنيا على أصلين :

أحدهما : أن لا يعبد إلا الله ، لا يشرك به شيئا . [ ص: 102 ]

والثاني : أن يعبده بما شرع من الدين ، لا يعبده بشرع من شرع من الدين ما لم يأذن به الله ، كالذين قال فيهم : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله .

فأخبر عمر أنا لم نقبلك نرجو منفعتك ونخاف مضرتك ، كما كان المشركون يفعلون بأوثانهم ، بل نعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أن الرسول قبلك -وقد أمرنا الله باتباعه ، فصار ذلك عبادة مشروعة- لما قبلتك ، لسنا كالنصارى والمشركين وأهل البدع الذين يعبدون غير الله بغير إذن الله ، بل لا نعبد إلا الله بإذن الله ، كما قال لنبيه : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فبين أن رسوله يدعو إليه بما أذن فيه من الشرع ، لا بما لم يأذن به ، كالذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله .

وكذلك قال عمر : فيم الرمل الآن والإبداء عن المناكب؟

وقد أطأ الله الإسلام ونفى الشرك وأهله ، ثم قال : لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا فعلناه .

وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه في عمرة القضية بالاضطباع وبالرمل ليري المشركين قوتهم ، ولهذا لم يأمرهم بالرمل بين الركنين [ ص: 103 ] اليمانيين ، لأن المشركين كانوا بقعيقعان جبل المروة ينظرون إليهم .

ثم إنه لما حج اضطبع ورمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ، فجعل ذلك شرعا لأمته . فبين عمر أنه لو لم يشرع ذلك لما فعلناه ، لزوال السبب الذي أوجبه إذ ذاك .

ومعلوم أن مكة -شرفها الله- فيها شعائر الله ، وفيها بيته الذي أوجب الحج إليه ، وأمر الناس باستقباله في صلاتهم ، وحرم صيده ونباته ، وأثبت له من الفضائل والخصائص ما لم يثبته لشيء من البقاع .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمكة : "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله -وفي رواية : وأحب أرض الله إلي- ، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت" . قال الترمذي : حديث صحيح .

فإذا كان الله لم يشرع أن يتمسح إلا بالركنين اليمانيين لكونهما على قواعد إبراهيم ، ويقبل الحجر الأسود لكونه بمنزلة يمين الله في الأرض ، فلا يقبل سائر جدران الكعبة ، ولا يقبل مقام إبراهيم الذي هناك ولا يتمسح به ، ولا يقبل مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يصلي فيه ولا يتمسح به ، ولا يقبل قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يتمسح به فمعلوم أن [ ص: 104 ] قبور سائر الأنبياء والصالحين التي ببقية البلاد (مثل ما بالشام وغيرها من الأمكنة التي يقال : إنها مقام إبراهيم أو المسيح أو غيرهما ، كمقام إبراهيم ببرزة ، وكمغارة الدم ، والربوة التي يقال : إنه كان بها المسيح وأمه ، وكطور موسى وغار حراء وغيرهما من الجبال والمغارات ، وكسائر قبور الصالحين من الصحابة والقرابة وغيرهما ، وكصخرة بيت المقدس وغيرها) أولى [بأن] لا يقبل شيء من ذلك ولا يستلم ولا يطاف به ، فلا يكون شيء من ذلك بمنزلة الركنين اليمانيين ولا بمنزلة الحجر الأسود . ولهذا قال عمر : والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك لما قبلتك .

يدل على أنه ليس من الأحجار ما يقبل ، إذ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشرع تقبيل شيء من ذلك .

والحديث الذي يرويه بعض الكذابين : "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به" كذب مفترى باتفاق أهل العلم ، وإنما هذا من قول عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالحجارة ، وقال تعالى لهم : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ، وقال تعالى : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ، وقال الخليل : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر [ ص: 105 ] ولا يغني عنك شيئا ، وقال تعالى عن عباد العجل : ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا . وذكر تعالى عن الخليل أنه قال لقومه : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون . وفي الموضع الآخر : أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون .

فهؤلاء المشركون كانوا قد أحسنوا ظنهم بالحجارة ، فكان عاقبتهم أنهم في النار خالدون . وإنما يحسن العبد ظنه بربه ، كما [ ص: 106 ] ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا دعاني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" . وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله" .

وبالجملة فهذا أصل متفق عليه بين أئمة الدين أن العبادات مبناها على توقيف الرسول وطاعة أمره والاقتداء به ، فلا يكون شيء عبادة إلا أن يشرعه الرسول ، فيكون واجبا أو مستحبا ، وما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة باتفاق المسلمين . ومن اعتقد مثل ذلك عبادة كان جاهلا ، وإن ظن أن ذلك تعظيم لمن يجب تعظيمه ، فإن التعظيم المشروع لا يكون إلا واجبا أو مستحبا .

ومن نهي عن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ، وعن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا ، وعن الغلو في الأنبياء والصالحين ، فزعم أن هذا تنقص واستخفاف بالأنبياء والصالحين والملائكة ، فهو من جنس النصارى وأشباههم من المشركين وأهل البدع ، قال تعالى : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض [ ص: 107 ] وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا .

وقد قال : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون .

وقال تعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون .

فهذه الأمور التي ذم الله بها النصارى ، إذ نهوا عنها قالوا : هذا تنقص بالمسيح والأحبار والرهبان ، وكانوا كفارا بجعلهم هذا النهي تنقصا مذموما ، إذ كانوا عظموا الأنبياء والصالحين تعظيما لم يشرع لهم . [ ص: 108 ]

وكذلك من اتخذ قبورهم مساجد تعظيما لهم ، أو سجد لهم تعظيما لهم ، أو دعاهم وسألهم -كما يدعو الله ويسأله- بعد مماتهم وفي تغيبهم ، أو رجاهم وخافهم كما يرجو الله ويخافه فإنه مشرك مبتدع . وإذا نهي عن ذلك فقال : هذا تنقص ، زاد ضلالة ، قال تعالى : ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون وقال تعالى : ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون .

فجعل الله الخشية والتقوى والتوكل والرغبة لله وحده ، وجعل للرسول أن يطاع ، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ، وأن يرضوا بما آتاه ، وهو ما حلله ، فلا يطلب ما حرمه الله ، بل الحلال ما حلله ، والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه . ويجب أن يكون أحب إلى المؤمنين من أنفسهم وأهليهم ، إلى غير ذلك من حقوقه .

ولا يعبد إلا الله ، ولا يتوكل إلا على الله ، ولا يرغب إلا إلى الله ، ولا يخشى ولا يتقى إلا الله .

وقد اتفقت أئمة المسلمين على أن من قصد الصلاة في المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين ، وقصد الدعاء عندها ، معتقدا أن الصلاة فيها والدعاء عندها أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد [ ص: 109 ] المبنية لله لا على قبر أحد فإنه مخطئ ضال ، وإن كان كثير من الجهال يرى ذلك من تعظيمهم .

وكذلك اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه لا يشرع لأحد أن يستلم ويقبل غير الركنين اليمانيين ، لا قبور الأنبياء ولا حجرة بيت المقدس ولا غير ذلك ، ولا مقامات الأنبياء كمقام إبراهيم الذي بمكة ، والمشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين وغير ذلك مما يستلمه ويقبله كثير من الجهال ، ويرون ذلك من تعظيمها ، وذلك ليس بواجب ولا مستحب باتفاق المسلمين . ومن فعل ذلك معتقدا أنه بر وقربة فهو ضال مبتدع مشابه للنصارى .

التالي السابق


الخدمات العلمية