الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إلى ربك يومئذ المساق

( إلى ربك يومئذ المساق فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) .

ثم قال تعالى : ( إلى ربك يومئذ المساق ) المساق مصدر من ساق يسوق ، كالمقال من قال يقول ، ثم فيه وجهان :

أحدهما : أن يكون المراد أن المسوق إليه هو الرب .

والثاني : أن يكون المراد أن السائق في ذلك اليوم هو الرب ، أي سوق هؤلاء مفوض إليه .

قوله تعالى : ( فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أنه تعالى شرح كيفية عمله فيما يتعلق بأصول الدين وبفروعه ، وفيما يتعلق بدنياه . أما ما يتعلق بأصول الدين فهو أنه ما صدق بالدين ، ولكنه كذب به ، وأما ما يتعلق بفروع الدين ، فهو أنه ما صلى ولكنه تولى وأعرض ، وأما ما يتعلق بدنياه ، فهو أنه ذهب إلى أهله يتمطى ، ويتبختر ، ويختال في مشيته ، واعلم أن الآية دالة على أن الكافر يستحق الذم والعقاب بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان .

المسألة الثانية : قوله : ( فلا صدق ) حكاية عمن ؟ فيه قولان :

الأول : أنه كناية عن الإنسان في قوله : ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ) [ القيامة : 3] ألا ترى إلى قوله : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) [ القيامة : 36] وهو معطوف على قوله : ( يسأل أيان يوم القيامة ) .

والقول الثاني : أن الآية نزلت في أبي جهل .

المسألة الثالثة : في " يتمطى " قولان :

أحدهما : أن أصله يتمطط ، أي : يتمدد ؛ لأن المتبختر يمد خطاه ، [ ص: 206 ] فقلبت الطاء فيه ياء ، كما قيل في تقصى أصله تقصص .

والثاني : من المطى وهو الظهر ؛ لأنه يلويه ، وفي الحديث : " إذا مشت أمتي المطيطى " أي : مشية المتبختر .

المسألة الرابعة : قال أهل العربية : " لا " ههنا في موضع " لم " ، فقوله : ( فلا صدق ولا صلى ) أي : لم يصدق ولم يصل ، وهو كقوله : ( فلا اقتحم العقبة ) أي : لم يقتحم ، وكذلك ما روي في الحديث : " أرأيت من لا أكل ولا شرب ، ولا استهل " قال الكسائي : لم أر العرب قالت في مثل هذا كلمة وحدها حتى تتبعها بأخرى ، إما مصرحا أو مقدرا ، أما المصرح ، فلا يقولون : لا عبد الله خارج ؛ حتى يقولوا : ولا فلان ، ولا يقولون : مررت برجل لا يحسن ؛ حتى يقولوا : ولا يجمل ، وأما المقدر فهو كقوله : ( فلا اقتحم العقبة ) [ البلد : 11] ثم اعترض الكلام ، فقال : ( وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام ) [ البلد : 12] وكان التقدير : لا فك رقبة ، ولا أطعم مسكينا ، فاكتفى به مرة واحدة ، ومنهم من قال : التقدير في قوله ( فلا اقتحم ) أي : أفلا اقتحم ، وهلا اقتحم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث