الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أولى لك فأولى ثم أولى لك

( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدى )

قوله تعالى : ( أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ) قال قتادة ، والكلبي ، ومقاتل : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أبي جهل ثم قال : ( أولى لك فأولى ) توعده ، فقال أبو جهل : بأي شيء تهددني ؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا ، وإني لأعز أهل هذا الوادي ، ثم انسل ذاهبا ، فأنزل الله تعالى كما قال له الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومعنى قوله ( أولى لك ) بمعنى ويل لك ، وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكرهه ، قال القاضي : المعنى بعد ذلك ، فبعدا [ لك ] في أمر دنياك ، وبعدا لك في أمر أخراك ، وقال آخرون : المعنى : الويل لك مرة بعد ذلك ، وقال القفال : هذا يحتمل وجوها :

أحدها : أنه وعيد مبتدأ من الله للكافرين .

والثاني : أنه شيء قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعدوه ، فاستنكره عدو الله لعزته عند نفسه ، فأنزل الله تعالى مثل ذلك .

والثالث : أن يكون ذلك أمرا من الله لنبيه ، بأن يقولها لعدو الله ، فيكون المعنى : ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) [ القيامة : 33] فقل له : يا محمد : ( أولى لك فأولى ) أي احذر ، فقد قرب منك ما لا قبل لك به من المكروه .

قوله تعالى : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) أي : مهملا ، لا يؤمر ولا ينهى ، ولا يكلف في الدنيا ولا يحاسب بعمله في الآخرة ، والسدى في اللغة المهمل ، يقال : أسديت إبلي إسداء أهملتها .

واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة - قوله ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ) أعاد في آخر السورة ذلك ، وذكر في صحة البعث والقيامة دليلين :

الأول : قوله ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) ، ونظيره قوله ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) [ طه : 15] ، وقوله : ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) وتقريره : أن إعطاء القدرة والآلة والعقل بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهي عن المفاسد يقتضي كونه تعالى راضيا بقبائح الأفعال ، وذلك لا يليق بحكمته ، فإذا لا بد من التكليف ، والتكليف لا يحسن ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة . [ ص: 207 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث