الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا )

                                                                                                                                                                                                                                            قوله تعالى : ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) الطهور فيه قولان :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : المبالغة في كونه طاهرا ، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أنه لا يكون نجسا كخمر الدنيا .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة ، يعني ما مسته الأيدي الوضرة ، وما داسته الأقدام الدنسة .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنها لا تئول إلى النجاسة ؛ لأنها ترشح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك .

                                                                                                                                                                                                                                            القول الثاني في الطهور : أنه المطهر ، وعلى هذا التفسير أيضا في الآية احتمالان :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : قال مقاتل : هو عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد ، وما كان في جوفه من قذر وأذى .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيهما : قال أبو قلابة : يؤتون الطعام والشراب ، فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور فيشربون فتطهر بذلك بطونهم ، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهرا ؛ لأنه يطهر باطنهم عن الأخلاق الذميمة ، والأشياء المؤذية ، فإن قيل : قوله تعالى : ( وسقاهم ربهم ) هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور والزنجبيل والسلسبيل ، أو هذا نوع آخر ؟ قلنا : بل هذا نوع آخر ، ويدل عليه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : دفع التكرار .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه ، فقال : ( وسقاهم ربهم ) وذلك يدل على فضل في هذا دون غيره .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : ما روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة ، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون ، فيطهر ذلك بطونهم ، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك ، وهذا يدل على أن هذا الشراب مغاير لتلك الأشربة ، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة ، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب ، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقا يفوح منه ريح كريح المسك ، وكل ذلك يدل على المغايرة .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : وهو أن الروح من عالم الملائكة ، والأنوار الفائضة من جواهر أكابر الملائكة وعظمائهم على هذه الأرواح مشبهة بالماء العذب الذي يزيل العطش ويقوي البدن ، وكما أن العيون متفاوتة في الصفاء والكثرة والقوة ، فكذا ينابيع الأنوار العلوية مختلفة ، فبعضها تكون كافورية على طبع البرد واليبس ، ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والانقباض ، وبعضها تكون زنجبيلية على طبع الحر واليبس ، فيكون صاحب هذه الحالة قليل الالتفات إلى ما سوى الله تعالى ، قليل المبالاة بالأجسام والجسمانيات ، ثم لا تزال الروح البشرية منتقلة من ينبوع إلى ينبوع ، ومن نور إلى نور ، ولا شك أن الأسباب والمسببات متناهية في ارتقائها إلى واجب الوجود الذي هو النور المطلق جل جلاله ، وعز كماله ، فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب من ذلك الشراب انهضمت تلك الأشربة المتقدمة ، بل فنيت ؛ لأن نور ما سوى الله تعالى يضمحل في مقابلة نور الله وكبريائه وعظمته ، وذلك هو آخر سير الصديقين ، ومنتهى درجاتهم في الارتقاء والكمال ، فلهذا السبب ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار على قوله : ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 226 ]

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية