الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم

القول في تأويل قوله تعالى:

حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما [23]

حرمت عليكم أمهاتكم من النسب أن تنكحوهن، وشملت الجدات من قبل [ ص: 1174 ] الأب أو الأم وبناتكم من النسب، وشملت بنات الأولاد وإن سفلن وأخواتكم من أم أو أب أو منهما وعماتكم أي: أخوات آبائكم وأجدادكم وخالاتكم أي: أخوات أمهاتكم وجداتكم وبنات الأخ من النسب، من أي وجه يكن وبنات الأخت من النسب من أي وجه يكن، ويدخل في البنات أولادهن وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم قال المهايمي : لأن الرضاع جزء منها وقد صار جزءا من الرضيع، فصار كأنه جزؤها فأشبهت أصله، انتهى.

ويعتبر في الإرضاع أمران:

أحدهما: القدر الذي يتحقق به هذا المعنى، وقد ورد تقييد مطلقه وبيان مجمله في السنة بخمس رضعات، لحديث عائشة عند مسلم وغيره: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن.

والثاني: أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد، وذلك قبل الفطام، وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام الهيكل، كالشاب يأكل الخبز.

عن أم سلمة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام رواه الترمذي وصححه، والحاكم أيضا.

وأخرج سعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي ، عن ابن عباس مرفوعا: لا رضاع إلا ما كان في الحولين وصحح البيهقي وقفه.

قال السيوطي في: "الإكليل": واستدل بعموم الآية من حرم برضاع الكبير ، انتهى.

وقد ورد الرخصة فيه [ ص: 1175 ] لحاجة تعرض، روى مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة : إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي، فقالت عائشة : أما لك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة؟! وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله! إن سالما يدخل علي وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه حتى يدخل عليك وأخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضا.

وقد روى هذا الحديث من الصحابة: أمهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل ، وزينب بنت أم سلمة ، ورواه من التابعين جماعة كثيرة، ثم رواه عنهم الجمع الجم.

وقد ذهب إلى ذلك علي ، وعائشة ، وعروة بن الزبير ، وعطاء بن أبي رباح ، والليث بن سعد ، وابن علية ، وداود الظاهري، وابن حزم ، وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك.

قال ابن القيم : أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة ، ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم، وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام، وبالصغر، وبالحولين لوجوه:

أحدها: كثرتها وانفراد حديث سالم .

الثاني: أن جميع أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى عائشة - رضي الله عنهن - في شق المنع.

الثالث: أنه أحوط.

الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما، فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم.

الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته.

السادس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال: انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة متفق عليه، واللفظ لمسلم .

[ ص: 1176 ] وفي قصة سالم مسلك، وهو أن هذا كان موضع حاجة; فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه، ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد، فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا يجنح، انتهى.

يعني تقي الدين بن تيمية ، رضي الله عنهما.

وأخواتكم من الرضاعة قال الرازي : إنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة، إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .

وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات، وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أما، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب، وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا:

اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة، وهما الأمهات والبنات.

وخمس منها بطريق الأخوة، وهن الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، ثم إنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمهات، ومن قسم قرابة الأخوة الأخوات، ونبه بذكر هذين المثالين - من هذين القسمين - على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب، ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - أكد هذا البيان بصريح قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فصار صريح الحديث مطابقا لمفهوم الآية، وهذا بيان لطيف. انتهى.

لطيفة:

تعرض بعض المفسرين في هذا المقام لفروع فقهية مسندها مجرد الأقيسة.

قال الرازي : من تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من الآية [ ص: 1177 ] فأما ما سوى ذلك فإنما يليق بكتب الفقه.

وأمهات نسائكم أي: أصول أزواجكم وربائبكم جمع ربيبة، بمعنى مربوبة، قال الأزهري: ربيبة الرجل بنت امرأته من غيره . انتهى.

سميت بذلك لأنه يربها غالبا، كما يربي ولده.

اللاتي في حجوركم جمع حجر (بفتح أوله وكسره) أي: في تربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان في تربيته، والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربى طفلا أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية، وسر تحريمهن كونهن حينئذ يشبهن البنات إلا أنه إنما يتحقق الشبه إذا كن من نسائكم اللاتي دخلتم بهن لأنهن حينئذ بنات موطوءاتكم، كبنات الصلب، والدخول بهن كناية عن الجماع، كقولهم: بنى عليها، وضرب عليها الحجاب، أي: أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم أي: فلا حرج عليكم في أن تتزوجوا بناتهن إذا فارقتموهن أو متن.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث