الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن

ولما أخبر بالبعث وأقسم عليه، وأشار إلى دليله السابق، وسبب عنه ما ينجي في يومه، ذكر يومه وما يكون فيه ليحذر فقال متبعا ما مضى من دعائم الإيمان دعامة اليوم الآخر واعظا لمن يقول: يا ليت شعري ما حالي بعد ترحالي؟ وقامعا لمن يقول: لا حال بعد الترحال، بالإعلام بأنها أحوال أي: أحوال، تشيب الأطفال، وتقصم ظهور الرجال، بل تهد شم الجبال: يوم أي تبعثون في يوم يجمعكم أي أيها الثقلان. ولما كان الوقت المؤرخ به فعل من الأفعال إنما يذكر لأجل ما وقع فيه، صار كأنه علة لذلك الفعل فقال تعالى: ليوم الجمع لأجل ما يقع في ذلك [اليوم] الذي يجمع فيه أهل السماوات وأهل الأرض من الحساب والجزاء الذي يكون فوزا لناس فيكونون غابنين، ويكون خيبة لناس فيكونون مغبونين، وكل منهم يطلب أن يكون غابنا.

ولما كان هذا المقصد أمرا عظيما مقطعا ذكره الأكباد، قال تعالى مشيرا إلى هوله بأداة البعد مستأنفا: ذلك أي اليوم العظيم المكانة الجليل الأوصاف يوم التغابن الذي لا تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ودوامه، والغبن: ظهور النقصان للحظ الناشئ عن خفاء لأنه يجمع [ ص: 119 ] فيه الأولون والآخرون وسائر الخلق أجمعون، ويكون فيه السمع والإبصار على غاية لا توصف بحيث إن جميع ما [يقع] فيه [يمكن] أن يطلع عليه كل أحد من أهل ذلك الجمع، فإذا فضح أحد افتضح عند الكل، وما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده نم النار لو أساء ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة فيغبن كل كافر بتركه الإيمان وكل مؤمن بتقصيره في الإحسان، ومادة "غبن" تدور على الخفاء من مغابن الجسد وهي ما يخفى عن العين، وسمي الغبن في البيع - لخفائه عن صاحبه، فالكافر والظالم يظن أنه غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر، وبالنقص الذي أدخله الظالم على المظلوم، وقد غبنهما المؤمن والمظلوم على الحقيقة بنعيم الآخرة وكمال جزائها العظيم الدائم، فالغبن فيه لا يشبهه غبن، فقد بعث ذكر هذا اليوم على هذا الوجه على التقوى أتم بعث، وهي الحاملة على اتباع الأوامر واجتناب النواهي لئلا يحصل الغبن بفوات النعيم أو نقصانه، ويحصل بعده للكافر العذاب الأليم.

ولما كان كل أحد يحسب أن يكون في النور، ويكره أن يكون في الظلام، ويحب أن يكون غابنا، ويكره أن يكون مغبونا، أرشدت [ ص: 120 ] سوابق الكلام ولواحقه إلى أن التقدير، فمن آمن كان في النور، وكان في ذلك اليوم برجحان ميزانه من الغابنين، ومن كفر كان في الظلام، وكان في ذلك اليوم بنقصان ميزانه من المغبونين، فعطف عليه قوله بيانا لآثار ذلك الغبن، وتفضيلا له بإصلاح الحامل على التقوى وهو أمور منها القوة العلمية: ومن يؤمن أي يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار بالله أي الملك الأعظم الذي لا كفؤ له. ولما ذكر الرأس وهو إصلاح القوة العلمية، أتبعه البدن وهو إصلاح القوة العملية فقال: ويعمل تصديقا لإيمانه صالحا أي عملا هو مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له [في] جلب المنافع ودفع المضار.

ولما كان الدين مع سهولته متينا لن يشاده أحد إلا غلبه، قال حاملا على التقوى بالوعد بدفع المضار، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى أن زمان التكفير والدخول متفاوت بحسب طول الحساب وقصره، كلما فرغ واحد من الحساب دخل الجنة إن كان من أهلها: يكفر أي الله - على قراءة الجماعة بأن يستر سترا عظيما عنه سيئاته التي غلبه عليها نقصان الطبع، وأتبع ذلك الحامل الآخر وهو الترجئة يجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء [ ص: 121 ] والرهبة [والرغبة] والنذارة والبشارة فقال: ويدخله أي رحمة له وإكراما [وفضلا] جنات أي بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها، ورياض مديدة منوعة الأزاهير عطرة النشر تبهج رائيها، وأشار إلى دوام ريها بقوله: تجري ولما كان عموم الماء لجميع الأرض [غير] ممدوح، بين أنه في خلالها على [أحسن] الأحوال فقال: من تحتها وبين عظمه بقوله: الأنهار ولما كان النزوح أو توقعه عن مثل هذا محزنا، أزال توقع ذلك بقوله جامعا لئلا يظن الخلود لواحد بعينه تصريحا بأن من معناها الجمع وأن كل من تناولته مستوون في الخلود: خالدين فيها وأكد بقوله: أبدا والتقدير على قراءة نافع وابن عامر بالنون: نفعل التكفير والإدخال إلى هذا النعيم بما لنا من العظمة فإنه لا يقدر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء إلا الله سبحانه، ولا تكون هذه القدرة تامة إلا لمن كان عظيما لا راد لأمره أصلا.

ولما كان هذا أمرا باهرا جالبا بنعيمه سرور القلب، أشار إلى عظمته بما يجلب سرور القلب بقوله: ذلك أي الأمر العالي جدا من الغفران والإكرام، لا غيره الفوز العظيم لأنه جامع لجميع [ ص: 122 ] المصالح مع دفع المضار وجلب المسار.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث