الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في شرط الذكاة

جزء التالي صفحة
السابق

باب في شرط الذكاة قال أبو بكر : قوله تعالى : إلا ما ذكيتم اسم شرعي يعتوره معان : منها موضع الذكاة وما يقطع منه ، ومنها الآلة ، ومنها الدين ، ومنها التسمية في حال الذكر وذلك فيما كانت ذكاته بالذبح عند القدرة عليه . فأما السمك فإن ذكاته بحدوث الموت فيه عن سبب من خارج ، وما مات حتف أنفه فغير مذكى ؛ وقد بينا ذلك فيما تقدم من الكلام في الطافي في سورة البقرة . فأما موضع الذكاة في الحيوان المقدور على ذبحه فهو اللبة وما فوق ذلك إلى اللحيين .

وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير : " لا بأس بالذبح في الحلق كله أسفل الحلق وأوسطه وأعلاه " . وأما ما يجب قطعه فهو الأوداج ، وهي أربعة : الحلقوم ، والمريء ، والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء ، فإذا فرى المذكي ذلك أجمع فقد أكمل الذكاة على تمامها وسنتها ، فإن قصر عن ذلك ففرى من هذه الأربعة ثلاثة فإن بشر بن الوليد روى عن أبي يوسف أن أبا حنيفة قال : " إذا قطع أكثر الأوداج أكل ، وإذا قطع ثلاثة منها أكل من أي جانب كان " وكذلك قال أبو يوسف ومحمد ، ثم قال أبو يوسف بعد ذلك : " لا تأكل حتى تقطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين " .

وقال مالك بن أنس والليث : " يحتاج أن يقطع الأوداج والحلقوم وإن ترك شيئا منها لم يجزه " ولم يذكر المريء . وقال الثوري : " لا بأس إذا قطع الأوداج وإن لم يقطع الحلقوم " . وقال الشافعي : " أقل ما يجزي من الذكاة قطع الحلقوم [ ص: 301 ] والمريء ، وينبغي أن يقطع الودجين وهما العرقان وقد يسلان من البهيمة والإنسان ثم يحييان ، فإن لم يقطع العرقان وقطع الحلقوم والمريء جاز " .

وإنما قلنا إن موضع الذكاة النحر واللبة لما روى أبو قتادة الحراني عن حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذكاة فقال : في اللبة والحلق ، ولو طعنت في فخذها أجزأ عنك ، وإنما يعني بقوله صلى الله عليه وسلم : " لو طعنت في فخذها أجزأ عنك " فيما لا تقدر على ذبحه . قال أبو بكر : ولم يختلفوا أنه جائز له قطع هذه الأربعة ، وهذا يدل على أن قطعها مشروط في الذكاة ، ولولا أنه كذلك لما جاز له قطعها ؛ إذ كان فيه زيادة ألم بما ليس هو شرطا في صحة الذكاة ؛ فثبت بذلك أن عليه قطع هذه الأربع . إلا أن أبا حنيفة قال : " إذا قطع الأكثر جاز مع تقصيره عن الواجب فيه ؛ لأنه قد قطع الأكثر والأكثر في مثلها يقوم مقام الكل ، كما أن قطع الأكثر من الأذن والذنب بمنزلة قطع الكل في امتناع جوازه عن الأضحية " وأبو يوسف جعل شرط صحة الذكاة قطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين ، ولم يفرق أبو حنيفة بين قطع العرقين وأحد شيئين من الحلقوم والمريء وبين قطع هذين مع أحد العرقين ؛ إذ كان قطع الجميع مأمورا به في صحة الذكاة .

وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا هناد بن السري والحسن بن عيسى مولى ابن المبارك عن ابن المبارك عن معمر عن عمرو بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس زاد ابن عيسى : وأبي هريرة ، قالا : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان زاد ابن عيسى في حديثه : وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا يفرى الأوداج ثم تترك حتى تموت ؛ وهذا الحديث يدل على أن عليه قطع الأوداج .

وروى أبو حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج ما خلا السن والظفر . وروى إبراهيم عن أبيه عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذبحوا بكل ما أفرى الأوداج وهراق الدم ما خلا السن والظفر . فهذه الأخبار كلها توجب أن يكون فري الأوداج شرطا في الذكاة ، والأوداج اسم يقع على الحلقوم والمريء والعرقين اللذين عن جنبيهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث