الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما

( رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا )

واعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف وعيد الكفار ووعد المتقين، ختم الكلام في ذلك بقوله : ( رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : " رب السماوات والرحمن " ، فيه ثلاثة أوجه من القراءة : الرفع فيهما وهو قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، والجر فيهما وهو قراءة عاصم وعبد الله بن عامر، والجر في الأول مع الرفع في الثاني، وهو قراءة حمزة والكسائي، وفي الرفع وجوه :

أحدها : أن يكون ( رب السماوات ) مبتدأ، و (الرحمن ) خبره، ثم استؤنف : ( لا يملكون منه خطابا ) .

وثانيها : ( رب السماوات ) مبتدأ، و ( الرحمن ) صفة و ( لا يملكون ) خبره .

وثالثها : أن يضمر المبتدأ، والتقدير " هو رب السماوات هو الرحمن " ثم استؤنف ( لا يملكون ) .

ورابعها : أن يكون ( الرحمن ) و ( لا يملكون ) خبرين ، وأما وجه الجر فعلى البدل من ( ربك ) ، وأما وجه جر الأول ورفع الثاني فجر الأول بالبدل من ( ربك )، والثاني مرفوع بكونه مبتدأ وخبره ( لا يملكون ) .

المسألة الثانية : الضمير في قوله : ( يملكون ) إلى من يرجع؟ فيه ثلاثة أقوال : الأول : نقل عطاء عن ابن عباس أنه راجع إلى المشركين، يريد لا يخاطب المشركون ، أما المؤمنون فيشفعون يقبل الله ذلك منهم . والثاني : قال القاضي : إنه راجع إلى المؤمنين، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون أن يخاطبوا الله في أمر من الأمور؛ لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور ثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل، وأن الثواب الذي أوصله إلى المؤمنين عدل، وأنه ما يخسر حقهم، فبأي سبب يخاطبونه، وهذا القول أقرب من الأول ؛ لأن الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار . والثالث : أنه ضمير لأهل السماوات والأرض، وهذا هو الصواب، فإن أحدا من المخلوقين لا يملك مخاطبة الله ومكالمته . وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة [ ص: 22 ] على هذا الكلام ؛ لأنه نفى الملك والذي يحصل بفضله وإحسانه، فهو غير مملوك، فثبت أن هذا السؤال غير لازم، والذي يدل من جهة العقل على أن أحدا من المخلوقين لا يملك خطاب الله وجوه :

الأول : وهو أن كل ما سواه فهو مملوكه ، والمملوك لا يستحق على مالكه شيئا .

وثانيها : أن معنى الاستحقاق عليه، هو أنه لو لم يفعل لاستحق الذم، ولو فعله لاستحق المدح، وكل من كان كذلك كان ناقصا في ذاته، مستكملا بغيره وتعالى الله عنه .

وثالثها : أنه عالم بقبح القبيح، عالم بكونه غنيا عنه، وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح، وكل من امتنع كونه فاعلا للقبيح، فليس لأحد أن يطالبه بشيء، وأن يقول له : لم فعلت؟ والوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة ، والوجه الثالث يتفرع على قول المعتزلة ، فثبت أن أحدا من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه ويطالب إلهه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث