الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات

ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم صورة سورة القرآن، فالقرآن باطنه وهو ظاهره لأنه خلقه لا قول له ولا فعل إلا به، فكان كأنه هو، أبدل منه قوله: رسولا على أن الأمر فيه غي عن تأويل، فإن الذكر بكسر الذال في اللغة كما في القاموس من الرجال القوي الشجاع الأبي، ثم بين كونه ذكرا بقوله: يتلو أي يتابع أن يقص عليكم آيات الله أي دلائل الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام الظاهر جدا حال كونها مبينات أي لا لبس فيها بوجه. [ ص: 169 ] ولما تبين أن الذكر والرسول صارا شيئا واحدا، وعلم ما في هذه المراسلة من الشرف، أتبع ذلك بيان شرف آخر ببيان ثمرة إنزاله فقال: ليخرج الذين آمنوا أي أقروا بالشهادتين وعملوا تصديقا لما قالوه بألسنتهم وتحقيقا لأنه من قلوبهم الصالحات من الأعمال من الظلمات أي النفسانية والأخلاق الرذيلة المؤدية إلى ظلمة الجوارح بعملها الظلم وانتشارها في السبل الشيطانية إلى النور الروحاني العقيلي الخالص الذي لا دنس فيه بسلوك صراط الله الذي هو [ واحد -] لا شتات فيه وبين لا لبس فيه وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل كما بادروا إلى إخراج أنفسهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن فساد الأعمال الصالحة [ إلى سداد الأعمال الصالحة -]، وذلك بأن يصيرهم متخلقين بالقرآن ليكونوا مظهرا [ له -] في حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم فيكونوا ذكرا.

ولما كان التقدير: فمن آمن بالله وعمل صالحا شاهد بركات ذلك في نفسه عاجلا، عطف عليه بيانا لسعادة الآجلة قوله تعالى: [ ص: 170 ] ومن يؤمن بالله أي يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه ويعمل على التجديد المستمر صالحا لله وفي الله فله دوام النعماء، وهو معنى إدخاله الجنة، ولما كان قد تقدم قريبا في آية التقوى أنه يكفر عنه سيئاته، قال شارحا لقوله: ويعظم له أجرا يدخله أي عاجلا مجازا بما يتيح له من لذات العرفان ويفتح له من الأنس آجلا حقيقة جنات أي بساتين هي في غاية ما يكون من [ جمع -] جميع الأشجار وحسن الدار، وبين دوام ريها بقوله: تجري وبين انكشاف كثير من أرضها بقوله: من تحتها أي تحت غرفها الأنهار أو [ هو -] كناية عن أن أرضها في غاية الري بحيث إن ساكنها يجري في أي موضع أراد [ نهرا، و -]إلى زيادة عظمتها أشارت قراءة نافع وابن عامر بنون العظمة.

ولما أفرد الشرط والجزاء إجراء على لفظ "من" إشارة إلى أنه لا يشترط [ في -] الإيمان ولا [ في -] جزائه مشاركة أحد، وأنه لا توقف للقبول على شيء غير الوصف المذكور، جمع الحال بشارة [ ص: 171 ] بأن الداخلين كثير، وأن الداخل إلى دار الكرامة لا يحصل له هوان بعد ذلك أصلا فقال: خالدين فيها وأكد معنى الخلود ليفهم الدوام بلا انقضاء فقال: أبدا ولما أعلم أن الخلود لكل الداخلين إلى الجنة رجع إلى الأسلوب الأول تنصيصا على كل فرد إبلاغا في عظمة هذا الجزاء بقوله نتيجة لذلك، منبها على أن هذه النتيجة من حقها أن يتوقع قولها [ من -] كل من سمع هذه البشرى: قد أحسن الله أي الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام له أي خاصة رزقا أي عظيما عجيبا، قال القشيري: الرزق الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره بسببه ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه، كذلك أرزاق القلوب أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها عن غير نقصان ولا يتعذب بتعطشه ولا يكون زيادة فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد من الله سماوي.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث