الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          [ عبقر ]

                                                          عبقر : عبقر : موضع بالبادية كثير الجن ، يقال في المثل : كأنهم جن عبقر فأما قول مرار بن منقذ العدوي :


                                                          هل عرفت الدار أم أنكرتها بين تبراك فشمي عبقر ؟



                                                          وفي الصحاح : فشسي عبقر ، فإن أبا عثمان ذهب إلى أنه أراد عبقر فغير الصيغة ، ويقال : أراد عبيقر فحذف الياء ، وهو واسع جدا ، قال الأزهري : كأنه توهم تثقيل الراء ، وذلك أنه احتاج إلى تحريك الباء لإقامة الوزن فلو ترك القاف على حالها مفتوحة لتحول البناء إلى لفظ لم يجئ مثله وهو عبقر لم يجئ على بنائه ممدود ولا مثقل فلما ضم القاف توهم به بناء قربوس ونحوه والشاعر يجوز له أن يقصر قربوس في اضطرار الشعر فيقول قربس وأحسن ما يكون هذا البناء إذا ذهب حرف المد منه أن يثقل آخره ; لأن التثقيل كالمد ، قال الجوهري : إنه لما احتاج إلى تحريك الباء لإقامة الوزن وتوهم تشديد الراء ضم القاف ; لئلا يخرج إلى بناء لم يجئ مثله فألحقه ببناء جاء في المثل ، وهو قولهم : هو أبرد من عبقر ويقال : حبقر كأنهما كلمتان جعلتا واحدة ; لأن أبا عمرو بن العلاء يرويه أبرد من عب قر قال : والعب اسم للبرد الذي ينزل من المزن ، وهو حب الغمام فالعين مبدلة من الحاء ، والقر : البرد وأنشد :


                                                          كأن فاها عب قر بارد     أو ريح مسك مسه تنضاح رك



                                                          ويروى :


                                                          كأن فاها عبقري بارد



                                                          والرك : المطر الضعيف ، وتنضاحه : ترششه ، الأزهري : يقال إنه لأبرد من عبقر وأبرد من حبقر وأبرد من عضرس ، قال : والحبقر والعبقر والعضرس البرد ، الأزهري : قال المبرد : عبقر والعبقر البرد .

                                                          [ ص: 18 ] الجوهري : العبقر موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن ، قال لبيد :


                                                          ومن فاد من إخوانهم وبنيهم     كهول وشبان كجنة عبقر
                                                          مضوا سلفا قصد السبيل عليهم     بهيا من السلاف ليس بجيدر



                                                          أي : قصير ومنها :


                                                          أقي العرض بالمال التلاد وأشتري     به الحمد إن الطالب الحمد مشتري
                                                          وكم مشتر من ماله حسن صيته     لآبائه في كل مبدى ومحضر



                                                          ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه أو جودة صنعته وقوته ، فقالوا : عبقري ، وهو واحد وجمع والأنثى عبقرية ، يقال : ثياب عبقرية ، قال ابن بري : قول الجوهري : العبقر موضع صوابه أن يقول : عبقر بغير ألف ولام ; لأنه اسم علم لموضع كما قال امرؤ القيس :


                                                          كأن صليل المرو حين تشده     صليل زيوف ينتقدن بعبقرا



                                                          وكذلك قول ذي الرمة :


                                                          حتى كأن رياض القف ألبسها     من وشي عبقر تجليل وتنجيد



                                                          قال ابن الأثير : عبقر قرية تسكنها الجن فيما زعموا فكلما رأوا شيئا فائقا غريبا مما يصعب عمله ويدق أو شيئا عظيما في نفسه نسبوه إليها ، فقالوا : عبقري ثم اتسع فيه حتى سمي به السيد والكبير ، وفي الحديث : أنه كان يسجد على عبقري ، وهي هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش حتى قالوا : ظلم عبقري ، وهذا عبقري قوم للرجل القوي ، ثم خاطبهم الله تعالى بما تعارفوه : فقال : وعبقري حسان ، وقرأه بعضهم : عباقرى ، وقال : أراد جمع عبقري وهذا خطأ ; لأن المنسوب لا يجمع على نسبته ، ولاسيما الرباعي لا يجمع الخثعمي بالخثاعمي ولا المهلبي بالمهالبي ، ولا يجوز ذلك إلا أن يكون نسب إلى اسم على بناء الجماعة بعد تمام الاسم نحو شيء تنسبه إلى حضاجر فتقول : حضاجري ، فينسب كذلك إلى عباقر فيقال : عباقري ، والسراويل ونحو ذلك كذلك قال الأزهري : وهذا قول حذاق النحويين الخليل وسيبويه والكسائي ، قال الأزهري : وقال شمر : قرئ : عباقري بنصب القاف ، وكأنه منسوب إلى عباقر ، قال الفراء : العبقري الطنافس الثخان ، واحدتها عبقرية والعبقري الديباج ، ومنه حديث عمر : أنه كان يسجد على عبقري ، قيل : هو الديباج ، وقيل : البسط الموشية ، وقيل : الطنافس الثخان ، وقال قتادة : هي الزرابي ، وقال سعيد بن جبير : هي عتاق الزرابي ، وقد قالوا : عباقر ماء لبني فزارة ، وأنشد لابن عنمة :


                                                          أهلي بنجد ورحلي في بيوتكم     على عباقر من غورية العلم



                                                          قال ابن سيده : والعبقري والعباقري ضرب من البسط الواحدة عبقرية ، قال : وعبقر قرية باليمن توشى فيها الثياب والبسط ، فثيابها أجود الثياب فصارت مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع ، فكلما بالغوا في نعت شيء متناه نسبوه إليه ، وقيل : إنما ينسب إلى عبقر الذي هو موضع الجن ، وقال أبو عبيد : ما وجدنا أحدا يدري أين هذه البلاد ولا متى كانت ؟ ، ويقال : ظلم عبقري ومال عبقري ورجل عبقري كامل ، وفي الحديث : أنه قص رؤيا رآها ، وذكر عمر فيها ، فقال : فلم أر عبقريا يفري فريه قال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري ، فقال : يقال : هذا عبقري قوم ، كقولك : هذا سيد قوم وكبيرهم وشديدهم وقويهم ونحو ذلك ، قال أبو عبيد : وإنما أصل هذا فيما يقال أنه نسب إلى عبقر وهي أرض يسكنها الجن ، فصارت مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع وقال زهير :


                                                          بخيل عليها جنة عبقرية     جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا



                                                          وقال : أصل العبقري صفة لكل ما بولغ في وصفه ، وأصله أن عبقر بلد يوشى فيه البسط وغيرها فنسب كل شيء جيد إلى عبقر ، وعبقري القوم : سيدهم ، وقيل : العبقري الذي ليس فوقه شيء والعبقري : الشديد والعبقري : السيد من الرجال وهو الفاخر من الحيوان والجوهر ، قال ابن سيده : وأما عبقر فقيل أصله عبيقر ، وقيل : عبقور فحذفت الواو وقال : وهو ذلك الموضع نفسه .

                                                          والعبقر والعبقرة من النساء : المرأة التارة الجميلة ، قال :


                                                          تبدل حصن بأزواجه     عشارا وعبقرة عبقرا



                                                          أراد عبقرة عبقرة ، فأبدل من الهاء ألفا للوصل وعبقر : من أسماء النساء ، وفي حديث عصام : عين الظبية العبقرة ، يقال : جارية عبقرة ، أي : ناصعة اللون ، ويجوز أن تكون واحدة العبقر ، وهو النرجس تشبه به العين ، والعبقري : البساط المنقش ، والعبقرة : تلألؤ السراب ، وعبقر السراب : تلألأ ، والعبوقرة : اسم موضع ، قال الهجري : هو جبل في طريق المدينة من السيالة قبل ملل بميلين ، قال كثير عزة :


                                                          أهاجك بالعبوقرة الديار ؟     نعم منا منازلها قفار



                                                          والعبقري : الكذب البحت ، كذب عبقري وسماق ، أي : خالص لا يشوبه صدق ، قال الليث : والعبقر أول ما ينبت من أصول القصب ونحوه ، وهو غض رخص قبل أن يظهر من الأرض ، الواحدة عبقرة ، قال العجاج :


                                                          كعبقرات الحائر المسحور



                                                          قال : وأولاد الدهاقين يقال لهم عبقر ، شبههم لترارتهم ونعمتهم بالعبقر هكذا رأيت في نسخ التهذيب ، وفي الصحاح : عنقر القصب أصله بزيادة النون ، وهذا يحتاج إلى نظر ، والله أعلم بالصواب .

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية