الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الرابعة الفرق بين العطية ، والوصية

المسألة الرابعة: الفرق بين العطية، والوصية

قرر الفقهاء أن حكم العطايا في مرض الموت المخوف يأخذ حكم الوصية في خمسة أشياء:

أحدها: أنه يقف نفوذها على خروجها من الثلث، أو إجازة الورثة.

الثاني: أنها لا تصح لوارث، إلا بإجازة الورثة.

الثالث: أن فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة; لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر".

[ ص: 54 ] الرابع: العطايا تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة كتزاحم الوصايا فيه.

مثال ذلك: شخص في مرض موته وهب لزيد عشرة آلاف، ولعمر عشرين ألفا، ولبكر ثلاثين ألفا، وماله تسعون ألفا، فيتزاحمون في الثلث بالقسط.

وطريق ذلك: أن نجمع العطايا، ثم ننسب مجموع الثلث إلى مجموع العطايا، ثم يعطى كل واحد من عطيته بمقدار تلك النسبة.

ففي المثال: نسبة الثلث إلى مجموع العطايا النصف فيعطي كل واحد نصف عطيته، فلزيد خمسة، ولعمر عشرة، ولبكر خمسة عشر ألفا.

الخامس: أن خروجها من الثلث معتبر حال الموت، لا قبله ولا بعده، في حالة زيادتها عن الثلث.

وأنها تفارق الوصية في عدة أشياء، أهمها:

1 - أنها لازمة في حق المعطي بعد العقد أو القبض كما سيأتي، ليس له الرجوع فيها وإن كثرت، أما الوصية فله حق الرجوع; لأنها تبرع مشروط بالموت، فقبل الموت لم يوجد الشرط.

2 - أن قبولها في حال حياة المعطي وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها، ولا ردها إلا بعد الموت; لأن العطية تصرف في الحال، فتعتبر شروطه وقت وجوده، والوصية تبرع بعد الموت فتعتبر شروطه بعد الموت.

3 - أن العطية تقدم على الوصية عند جمهور العلماء; لأن العطية لازمة في حق المريض; فقدمت على الوصية كعطية الصحة، وعند أبي حنيفة وأبي [ ص: 55 ] يوسف لا تقدم إلا في العتق; لأن العتق يتعلق بحق الله تعالى ويسري وينفذ في ملك الغير فيجب تقديمه، وسيأتي بيانه في الهبة في مرض الموت.

4 - أن الواهب إذا مات قبل تقبيضه الهبة المنجزة كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا قبضوا، وإن شاؤوا منعوا، وسيأتي بيانه في شرط صحة الهبة، أن يكون الموهوب له جائز التصرف، والوصية تلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم.

5 - أنه يسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية; لأنها تبرع بعد الموت يوجد دفعة واحدة، ويبدأ بالأول فالأول في العطية; لوقوعها لازمة.

مثال ذلك: إذا وصى شخص لزيد بخمسة آلاف، ولعمرو بعشرة آلاف، ولبكر بخمسة وعشرين ألف ريال، وثلثه عشرون ألف ريال لا يتسع لجميع هذه الوصايا، فتتزاحم في الثلث بأن يوزع الثلث عليهم بالقسط.

وطريق ذلك: أن ننسب مجموع الثلث إلى مجموع الوصايا، ثم يعطى كل واحد من وصيته بمقدار تلك النسبة.

ففي المثال: الثلث عشرون إلى أربعين النصف. فلزيد ألفان، ولعمرو خمسة آلاف، ولبكر اثنا عشر ألفا ونصف ألف.

6 - أن الوصية تصح في المعدوم، والمجهول، والمعجوز عن تسليمه بخلاف العطية، على خلاف يأتي.

7 - أن الوصية تصح من غير الرشيد، إذ لا ضرر عليه; لأنها تبرع لا يلزم إلا بعد الموت بخلاف العطية.

8 - أن الوصية يستحب أن تكون بقدر معلوم، بخلاف العطية.

[ ص: 56 ] 9 - أن العطية تجوز في المدبر، بخلاف الوصية.

10 - أن الوصية تكون بالمال، وفي الحقوق، كما لو أوصى بالنظارة على وقفه، أو أولاده الصغار، أو تغسيله، ونحو ذلك.

11. أن الملك يثبت في العطية من حينها، ويكون الملك مراعى في بناء أحكامه عليه، فإذا خرجت العطية من الثلث تبينا أن الملك كان ثابتا من حين الإعطاء، فلو أعطى في مرضه عبده، وكسب في حياة سيده، ثم مات السيد، فإن كسبه يكون للمعطى، بخلاف الوصية، فإن الملك لا يثبت فيها إلا بعد الموت.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث