الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب غسل اللحية وتخليلها

جزء التالي صفحة
السابق

باب غسل اللحية وتخليلها

قال الله تعالى : فاغسلوا وجوهكم وقد بينا أن الوجه ما واجهك من الإنسان ، فاحتمل أن تكون اللحية من الوجه لأنها تواجه المقابل له غير مغطاة في الأكثر كسائر الوجه ؛ وقد يقال أيضا : خرج وجهه ، إذا خرجت لحيته ؛ فليس يمتنع أن تكون اللحية من الوجه فيقتضي ظاهر ذلك وجوب غسلها ؛ ويحتمل أن يقال : ليست من الوجه وإنما الوجه ما واجهك من بشرته دون الشعر النابت عليه بعدما كانت البشرة ظاهرة دونه . ولمن قال بالقول الأول أن يقول : نبات الشعر عليه بعد ظهور البشرة لا يخرجه من أن يكون من الوجه ، كما أن شعر الرأس من الرأس ، وقد قال الله تعالى : وامسحوا برءوسكم فلو مسح على شعر رأسه من غير إبلاغ الماء بشرته كان ماسحا على الرأس وفاعلا لمقتضى الآية عند جميع المسلمين ، فكذلك نبات الشعر على الوجه لا يخرجه من أن يكون منه . [ ص: 342 ] ولمن يأبى أن يكون من الوجه أن يفرق بينه وبين شعر الرأس أن شعر الرأس يوجد مع الصبي حين يولد فهو بمنزلة الحاجب في كون كل واحد منهما من العضو الذي هو فيه ، وشعر اللحية غير موجود معه في حال الولادة وإنما نبت بعدها ؛ فلذلك لم يكن من الوجه . وقد ذكر عن السلف اختلاف في غسل اللحية وتخليلها ومسحها ، فروى إسرائيل عن جابر قال : ( رأيت القاسم ومجاهدا وعطاء والشعبي يمسحون لحاهم ) وكذلك روي عن طاوس .

وروى حريز عن زيد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : ( رأيته توضأ ولم أره خلل لحيته وقال هكذا رأيت عليا رضي الله عنه توضأ ) . وقال يونس : ( رأيت أبا جعفر لا يخلل لحيته ) . فلم ير أحد من هؤلاء غسل اللحية واجبا .

وروى ابن جريج عن نافع : ( أن ابن عمر كان يبل أصول شعر لحيته ويغلغل بيديه في أصول شعرها حتى يكثر القطر منها ) ، وكذلك روي عن عبيد بن عمير وابن سيرين وسعيد بن جبير . فهؤلاء كلهم روي عنهم غسل اللحية ، ولكنه لم يثبت عنهم أنهم رأوا ذلك واجبا كغسل الوجه . وقد كان ابن عمر متقصيا في أمر الطهارة ، كان يدخل الماء عينيه ويتوضأ لكل صلاة ، وكان ذلك منه استحبابا لا إيجابا . ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن تخليل اللحية ليس بواجب ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه خلل لحيته ، وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خلل لحيته وقال : بهذا أمرني ربي وروى عثمان وعمار عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه خلل لحيته في الوضوء .

وروى الحسن عن جابر قال : وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثا ، فرأيته يخلل لحيته بأصابعه كأنها أسنان مشط . قال أبو بكر : وروي أخبار أخر في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيها ذكر تخليل اللحية ؛ منها حديث عبد خير عن علي ، وحديث عبد الله بن زيد وحديث الربيع بنت معوذ وغيرهم ، كلهم ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل وجهه ثلاثا ولم يذكروا تخليل اللحية فيه . وغير جائز إيجاب تخليل اللحية ولا غسلها بالآية ؛ وذلك لأن الآية إنما أوجبت غسل الوجه ، والوجه ما واجهك منه ، وباطن اللحية ليس من الوجه كداخل الفم والأنف لما لم يكونا من الوجه لم يلزم تطهيرهما في الوضوء على جهة الوجوب ؛ فإن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تخليلها أو غسلها كان ذلك منه استحبابا لا إيجابا كالمضمضة والاستنشاق وذلك لأنه لما لم تكن في الآية دلالة على وجوب غسلها أو تخليلها لم يجز لنا أن نزيد في الآية بخبر الواحد ، وجميع ما روي من أخبار التخليل إنما هي أخبار [ ص: 343 ] آحاد لا يجوز إثبات الزيادة بها في نص القرآن . وأيضا فإن التخليل ليس بغسل فلا يجوز أن يكون موجبا بالآية ، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التخليل ثبت أن غسلها غير واجب لأنه لو كان واجبا لما تركه إلى التخليل . وقد اختلف أصحابنا في تخليل اللحية ومسحها ، فروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال : سألته عن تخليل اللحية في الوضوء فقال : ( لا يخللها ويجزيه أن يمر بيده على ظاهرها ) قال : فإنما مواضع الوضوء منها الظاهر وليس تخليل الشعر من مواضع الوضوء ؛ وبه قال ابن أبي ليلى . قال أبو يوسف : ( وأنا أخلل ) . وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف في نوادره : ( يمسح ما ظهر من اللحية وإن كانت عريضة ، فإن لم يفعل فعليه الإعادة إن صلى ) . وذكر ابن شجاع عن الحسن عن زفر في الرجل يتوضأ : ( أنه ينبغي له إذا غسل وجهه أن يمر الماء على لحيته ، فإن أصاب لحيته من الماء قدر ثلث أو ربع أجزأه ذلك ، وإن كان أقل من ذلك لم يجزه ) ، وهو قول أبي حنيفة ، وبه أخذ الحسن . وقال أبو يوسف : ( يجزيه إذا غسل وجهه أن لا يمس لحيته بشيء من الماء ) . وقال ابن شجاع : ( لما لم يلزمه غسلها صار الموضع الذي ينبت عليه الشعر من الوجه بمنزلة الرأس ؛ إذ لم يجب غسله ، فكان الواجب مسحها كمسح الرأس فيجزي منه الربع كما قالوا في مسح الرأس ) . قال أبو بكر : لا تخلو اللحية من أن تكون من الوجه فيلزمه غسلها كغسل بشرة الوجه مما ليس عليه شعر ، وأن لا تكون من الوجه فلا يلزمه غسلها ولا مسحها بالآية ؛ فلما اتفق الجميع على سقوط غسلها دل ذلك على أنها ليست من الوجه ؛ لأنها لو كانت منه لوجب غسلها ، ولما سقط غسلها لم يجز إيجاب مسحها ؛ لأن فيه إثبات زيادة في الآية ، كما لم يجز إيجاب المضمضة والاستنشاق لما فيه من الزيادة في نص الكتاب . وأيضا لو وجب مسحها كان فيه إثبات فرض المسح والغسل في عضو واحد وهو الوجه من غير ضرورة ، وذلك خلاف الأصول . .

فإن قيل : قد يجتمع فرض المسح والغسل في عضو واحد بأن يكون على يده جبائر فيمسح عليها ويغسل باقي العضو . قيل له : إنما يجب ذلك للضرورة والعذر ، وليس في نبات اللحية ضرورة في ترك الغسل ، والوجه بمنزلة سائر الأعضاء التي أوجب الله تعالى طهارتها ، فلا يجوز اجتماع الغسل والمسح فيه من غير ضرورة ، ويقتضي ما قال أبو يوسف من سقوط فرض غسلها ومسحها جميعا وإن كان المستحب إمرار الماء عليها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث