الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين )

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ) فهو يتصل بما قبله وبما بعده ، أما الأول [ ص: 75 ] فعلى وجه الرد والتكذيب أي : ليس الأمر كما يتوهمه هؤلاء من أن السعادة الحقيقية بكثرة العدد والأولاد ، وأما اتصاله بما بعده ، فعلى معنى القسم أي حقا سوف تعلمون لكن حين يصير الفاسق تائبا ، والكافر مسلما ، والحريص زاهدا ، ومنه قول الحسن : لا يغرنك كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك ، وتحاسب وحدك ، وتقريره : ( يوم يفر المرء ) [ عبس : 34 ] ، ( ويأتينا فردا ) [ مريم : 80 ] ، ( ولقد جئتمونا فرادى ) [ الأنعام : 94 ] إلى أن قال : ( وتركتم ما خولناكم ) [ الأنعام : 94] وهذا يمنعك عن التكاثر ، وذكروا في التكرير وجوها :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أنه للتأكيد ، وأنه وعيد بعد وعيد كما تقول للمنصوح : أقول لك ، ثم أقول لك : لا تفعل .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن الأول عند الموت حيث يقال له : لا بشرى ، والثاني في سؤال القبر : من ربك ؟ والثالث عند النشور حين ينادي المنادي ، فلان شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا وحين يقال : ( وامتازوا اليوم ) [ يس : 59 ]

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : عن الضحاك سوف تعلمون أيها الكفار : ( ثم كلا سوف تعلمون ) أيها المؤمنون ، وكان يقرؤها كذلك ، فالأول وعيد والثاني وعد .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : أن كل أحد يعلم قبح الظلم والكذب وحسن العدل والصدق ، لكن لا يعرف قدر آثارها ونتائجها ، ثم إنه تعالى يقول : سوف تعلم العلم المفصل لكن التفصيل يحتمل الزائد ، فمهما حصلت زيادة لذة ، ازداد علما ، وكذا في جانب العقوبة ، فقسم ذلك على الأحوال ، فعند المعاينة يزداد ، ثم عند البعث ، ثم عند الحساب ، ثم عند دخول الجنة والنار ، فلذلك وقع التكرير .

                                                                                                                                                                                                                                            وخامسها : أن إحدى الحالتين عذاب القبر والأخرى عذاب القيامة ، كما روي عن أبي ذر أنه قال : كنت أشك في عذاب القبر ، حتى سمعت علي بن أبي طالب - عليه السلام - يقول : إن هذه الآية تدل على عذاب القبر ، وإنما قال : ( ثم ) لأن بين العالمين والحياتين موتا .

                                                                                                                                                                                                                                            ( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ) وفيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : اتفقوا على أن جواب " لو " محذوف ، وأنه ليس قوله : ( لترون الجحيم ) جواب " لو" ويدل عليه وجهان :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : أن ما كان جواب " لو " فنفيه إثبات ، وإثباته نفي ، فلو كان قوله : ( لترون الجحيم ) جوابا لـ " لو " لوجب أن لا تحصل هذه الرؤية ، وذلك باطل ، فإن هذه الرؤية واقعة قطعا ، فإن قيل : المراد من هذه الرؤية رؤيتها بالقلب في الدنيا ، ثم إن هذه الرؤية غير واقعة قلنا : ترك الظاهر خلاف الأصل .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أن قوله : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) إخبار عن أمر سيقع قطعا ، فعطفه على ما لا يوجد ولا يقع قبيح في النظم ، واعلم أن ترك الجواب في مثل هذا المكان أحسن ، يقول الرجل للرجل : لو فعلت هذا أي لكان كذا ، قال الله تعالى : ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ) [الأنبياء : 39 ] ولم يجئ له جواب وقال : ( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ) [ الأنعام : 30] إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في جواب " لو " وجوها :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : قال الأخفش : " لو تعلمون علم اليقين " ما ألهاكم التكاثر .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : قال أبو مسلم : لو علمتم ماذا يجب عليكم لتمسكتم به أو لو علمتم لأي أمر خلقتم لاشتغلتم به .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنه حذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب فيكون التهويل أعظم ، وكأنه قال : " لو علمتم علم اليقين لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه ، ولكنكم ضلال وجهلة " ، وأما قوله : ( لترون الجحيم ) فاللام يدل على أنه جواب قسم محذوف ، والقسم لتوكيد الوعيد ، وأن ما أوعدا به مما لا مدخل فيه للريب وكرره معطوفا بـ " ثم " تغليظا للتهديد وزيادة في التهويل .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 76 ]

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : أنه تعالى أعاد لفظ " كلا " وهو للزجر ، وإنما حسنت الإعادة : لأنه عقبه في كل موضع بغير ما عقب به الموضع الآخر ، كأنه تعالى قال : لا تفعلوا هذا فإنكم تستحقون به من العذاب كذا لا تفعلوا هذا فإنكم تستوجبون به ضررا آخر ، وهذا التكرير ليس بالمكروه بل هو مرضي عندهم ، وكان الحسن رحمه الله يجعل معنى ( كلا ) في هذا الموضع بمعنى "حقا " كأنه قيل حقا : ( لو تعلمون علم اليقين ) .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : في قوله : ( علم اليقين ) وجهان :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : أن معناه علما يقينا فأضيف الموصوف إلى الصفة ، كقوله تعالى : ( ولدار الآخرة ) [ يوسف : 109] وكما يقال : مسجد الجامع وعام الأول .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أن اليقين ههنا هو الموت والبعث والقيامة ، وقد سمي الموت يقينا في قوله : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) [الحجر : 99 ] ولأنهما إذا وقعا جاء اليقين وزال الشك ، فالمعنى لو تعلمون علم الموت وما يلقى الإنسان معه وبعده في القبر وفي الآخرة لم يلهكم التكاثر والتفاخر عن ذكر الله ، وقد يقول الإنسان : أنا أعلم علم كذا أي : أتحققه ، وفلان يعلم علم الطب وعلم الحساب ، لأن العلوم أنواع ، فيصلح لذلك أن يقال : علمت علم كذا .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية