الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما زاد الآخرة فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته وعبادته فلا بد وأن يتزود منه ، إذ السفر تارة يخفف عنه أمورا فيحتاج إلى معرفة القدر الذي يخففه السفر كالقصر والجمع والفطر وتارة يشدد عليه أمورا كان مستغنيا عنها في الحضر كالعلم بالقبلة وأوقات الصلوات فإنه في البلد يكتفي بغيره من محاريب المساجد وأذان المؤذنين وفي السفر قد يحتاج إلى أن يتعرف بنفسه .

فإذن ، ما يفتقر إلى تعلمه ينقسم إلى قسمين : القسم الأول : العلم برخص السفر .

والسفر يفيد في الطهارة رخصتين : مسح الخفين والتيمم ، وفي صلاة الفرض رخصتين : القصر والجمع ، وفي النفل رخصتين : أداؤه على الراحلة وأداؤه ماشيا وفي الصوم رخصة واحدة وهي الفطر ، فهذه سبع رخص .

الرخصة الأولى : المسح على الخفين قال صفوان بن عسال .

التالي السابق


(وأما زاد الآخرة فهو العلم الذي يحتاج إليه) وهو أخذ الأربعة التي يحتاج إليها المسافر. نقل القشيري في الرسالة عن أبي يعقوب السوسي أنه قال: يحتاج المسافر في سفره إلى أربعة أشياء: علم يسوسه، وورع يحجزه، ووجد يحمله، وخلق يصل به. واقتصر المصنف على الأول ثم فصله فقال: هو العلم الذي يحتاج إليه (في طهارته وصومه وصلاته وعبادته فلا بد أن يتزود منه، إذ السفر تارة يخفف عنه أمورا فيحتاج إلى معرفة القدر الذي يحفظه السفر كالقصر) أي: قصر الصلاة الرباعية على ركعتين (والجمع) أي: بين الصلاتين في وقت واحد (وتارة يشدد عليه أمورا كان) هو (مستغنيا عنها) وهو (في الحضر) وذلك (كالعلم بالقبلة وأوقات الصلوات فإنه) حال إقامته (في البلد مكفي بغيره من محاريب المساجد) المبنية (وأذان المؤذنين) أما (في السفر) فإنه (قد يحتاج إلى أن يتعرف بنفسه، فإذا ما يفتقر إلى تعلمه ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: العلم برخص السفر، والسفر يفيد في الطهارة رخصتين: مسح الخفين والتيمم، وفي صلاة الفرض رخصتين: القصر والجمع، وفي صلاة النفل رخصتين: أداؤه على الراحلة) أعم من أن تكون جملا أو بغلا أو فرسا أو حمارا وهنا بخلاف ما قيل في الحج من اشتراطها جملا كما تقدمت الإشارة إليه في كتاب الحج (وأداؤه ماشيا) على القدمين .

(وفي الصوم رخصة واحدة وهي الفطر، فهذه سبع رخص الرخصة الأولى: المسح على الخفين) وقد اتفقوا على جوازه في السفر وعلى جوازه في الحضر أيضا إلا رواية عن مالك: يصح للرجال والنساء، وقد ثبت جوازه بالسنة لا بالكتاب خلافا لمن حمل قراءة الجر في: "أرجلكم" عليه لأن المسح على الخف لا يجب على الكعبين اتفاقا، وليس في المسح على الخفين خلاف إلا للروافض فإنهم لا يرونه والأخبار المستفيضة ترد عليهم، ومثل هؤلاء لا يعتد بخلافهم، قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار، وروي عنه أيضا قال: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين؛ لأن الأخبار التي جاءت فيه في حيز التواتر .

وقال أبو يوسف: خبر المسح على الخفين يجوز نسخ الكتاب به لشهرته، وقال أحمد: ليس في قلبي في المسح شيء فيه أربعون حديثا عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رفعوا ولا وقفوا، أي: مرفوعة وموقوفة، وهكذا نقله ابن عبد البر في الاستذكار، وقال ابن أبي حاتم فيه عن أحد وأربعين، ونقل ابن المنذر عن الحسن البصري قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يمسح على الخفين، وذكر أبو القاسم بن منده أسماء من رواه في تذكرته فبلغ ثمانين صحابيا، وسرد الترمذي في سننه جماعة والبيهقي في سننه جماعة منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعد والمغيرة وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص وأبو أيوب وأبو أمامة وسهل بن سعد، وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وبلال وصفوان بن عسال وعبد الله بن الحارث بن جزء وسلمان وثوبان وعبادة بن الصامت ويعلى بن مرة وأسامة بن زيد وعمر بن أمية الضمري وأبو بكر وخزيمة بن ثابت وأبي بن عمارة وأبو هريرة وعائشة -رضي الله عنهم أجمعين -قال ابن عبد البر بعد أن سرد منهم جماعة: لم يرد عن غيرهم منهم خلاف إلا الشيء الذي لا يثبت عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة.

قال الحافظ في تخريج الرافعي: قال أحمد: لا يصح حديث أبي هريرة في إنكار المسح وهو باطل .

وروى الدارقطني من حديث عائشة إثبات المسح ويؤيد ذلك حديث شريح بن هانئ في سؤاله إياها عن ذلك فقالت: سل ابن أبي طالب، وفي رواية أنها قالت: لا أعلم بذلك، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال علي: سبق الكتاب الخفين فهو منقطع; لأن محمدا لم يدرك عليا، وأما ما رواه محمد بن مجاهر عن إسماعيل بن أبي أويس عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن القاسم عن عائشة قالت: لأن أقطع رجلي بالموسى أحب إلي أن أمسح على الخفين فهو باطل عنها، قال ابن حبان: محمد بن هاجر كان يضع الحديث .

وأغرب ربيعة فيما حكى الآجري عن أبي داود قال: جاء زيد بن أسلم إلى ربيعة فقال: أمسح على الجوربين؟ فقال ربيعة: ما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه مسح على الخفين فكيف على الخرقتين (قال صفوان بن عسال) [ ص: 417 ] المرادي: صحابي مشهور نزل الكوفة له ثنتا عشرة غزوة، وروى عنه ابن مسعود مع جلالته وزر بن حبيش وعبد الله بن سلمة وطائفة، وروى له الترمذي والنسائي وابن ماجه.




الخدمات العلمية