الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء

القول في تأويل قوله تعالى:

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما [48]

إن الله لا يغفر أن يشرك به قال أبو السعود : كلام مستأنف مسوق لتقرير [ ص: 1287 ] ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر من الإيمان - ببيان استحالة المغفرة بدونه، فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة، كما في قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب [الأعراف: من الآية 169]: يأخذون عرض هذا الأدنى أي: على التحريف ويقولون سيغفر لنا والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوليا؛ فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة، وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار، ونزوله في حق اليهود - كما قال مقاتل - هو الأنسب بسياق النظم الكريم، وسياقه لا يقتضي اختصاصه بكفرهم، بل يكفي اندراجه فيه قطعا، بل لا وجه له أصلا؛ لاقتضائه جواز مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر، أي: لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان؛ لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر، وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه، ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان، فمن لم يكن له إيمان لم يغفر له شيء من الكفر والمعاصي. انتهى.

قال الشهاب : الشك يكون بمعنى اعتقاد أن لله شريكا، وبمعنى الكفر مطلقا، وهو المراد هنا، وقد صرح به في قوله تعالى في سورة (البينة) بقوله: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها [البينة: من الآية 6]، فلا يبقى شبهة في عمومه. انتهى.

وقال الرازي : هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا، في عرف الشرع، ويدل عليه وجهان:

الأول: أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية، وبالإجماع هي غير مغفورة، فدل على أنها داخلة [ ص: 1288 ] تحت اسم الشرك.

الثاني: إن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك وإلا لم يكن الأمر كذلك، فإن قيل: قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا إلى قوله: والذين أشركوا [المائدة: من الآية 82] فعطف المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة، قلنا: المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي، ولا بد من المصير إلا ما ذكرناه؛ دفعا للتناقض. انتهى.

لطيفة:

قال أبو البقاء : الشرك أنواع:

شرك الاستقلال وهو إثبات إلهين مستقلين، كشرك المجوس.

وشرك التبعيض، وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى.

وشرك التقريب، وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية.

وشرك التقليد، وهو عبادة غير الله تبعا للغير، كشرك متأخري الجاهلية.

وشرك الأسباب، وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك.

وشرك الأغراض، وهو العمل لغير الله.

فحكم الأربعة الأولى الكفر بإجماع، وحكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع، وحكم الخامس التفصيل، فمن قال في الأسباب العادية أنها تؤثر بطبعها فقد حكي الإجماع على كفره، ومن قال إنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق. انتهى.

ويغفر ما دون ذلك أي: ما دون الشرك من المعاصي، صغيرة أو كبيرة لمن يشاء تفضلا منه وإحسانا.

قال ابن جرير : وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل، إن شاء [ ص: 1289 ] عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن شركا بالله عز وجل، وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة، وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة، وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة، وقد تقدم قوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: من الآية 31]، وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر، فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته، ولذا قال الرازي : هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر، ثم جود وجوه الاستدلال، ومنها: أن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة، ومنها أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به وغير معلق على المشيئة، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة، وهو المطلوب.

وأول الزمخشري هذه الآية على مذهبه: بأن الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهان إلى قوله تعالى: لمن يشاء على قاعدة التنازع، كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب، قال: ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. انتهى.

قال ناصر الدين في "الانتصاف": عقيدة أهل السنة أن الشرك غير مغفور البتة ، وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفره له، هذا مع عدم التوبة، وأما مع التوبة فكلاهما مغفور، والآية إنما وردت فيمن لم يتب ولم يذكر فيها توبة كما ترى، فلذلك أطلق الله تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بالمشيئة كما ترى، فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة، وأما القدرية فإنهم يظنون التسوية بين الشرك وبين ما دونه من الكبائر، في أن كل واحد من النوعين لا يغفر بدون التوبة، ولا شاء الله أن يغفرهما إلا للتائبين، فإذا [ ص: 1290 ] عرض الزمخشري هذا المعتقد على هذه الآية ردته ونبت عنه؛ إذ المغفرة منفية فيها عن الشرك وثابتة لما دونه مقرونة بالمشيئة، فأما أن يكون المراد فيهما من لم يتب فلا وجه للتفضيل بينهما بتعليق المغفرة في أحدهما بالمشيئة وتعليقها بالآخر مطلقا، إذ هما سيان في استحالة المغفرة، وأما أن يكون المراد فيهما التائب فقد قال في الشرك " إنه لا يغفر " والتائب من الشرك مغفور له، وعند ذلك أخذ الزمخشري يقطع أحدهما عن الآخر، فيجعل المراد مع الشرك عدم التوبة ومع الكبائر التوبة، حتى تنزل الآية على وفق معتقده فيحملها أمرين لا تحمل واحدا منهما:

أحدهما: إضافة التوبة إلى المشيئة وهي غير مذكورة ولا دليل عليها فيما ذكر، وأيضا لو كانت مرادة لكانت هي السبب الموجب للمغفرة على زعمهم عقلا، ولا يمكن تعلق المشيئة بخلافها على ظنهم في العقل، فكيف يليق السكوت عن ذكر ما هو العمدة والموجب، وذكر ما لا مدخل له على هذا المعتقد الرديء؟

الثاني: أنه بعد تقريره التوبة احتكم فقدرها على أحد القسمين دون الآخر، وما هذا إلا من جعل القرآن تبعا للرأي، نعوذ بالله من ذلك.

وأما القدرية فهم بهذا المعتقد يقع عليه بهم المثل السائر (السيد يعطي والعبد يمنع) لأن الله تعالى يصرح كرمه بالمغفرة للمصر على الكبائر، إن شاء، وهم يدفعون في وجه هذا التصريح ويحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح، التي هي بالفساد أجدر وأحق. انتهى.

فائدة:

وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة:

الأول: عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله.

فأما الديوان [ ص: 1291 ] الذي لا يغفره الله فالشرك بالله قال الله عز وجل: إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية، وقال: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة [المائدة: من الآية 72].

وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء.

وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا، فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة
رواه الإمام أحمد ، وقد تفرد به.

الثاني: عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يترك الله منه شيئا.

فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: من الآية 13].

وأما الظلم الذي يغفره الله: فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم.

وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض
رواه أبو بكر البزار في مسنده.

الثالث: عن معاوية قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا رواه الإمام أحمد والنسائي .

الرابع: عن أبي ذر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، [ ص: 1292 ] ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق - ثلاثا - ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر .

قال فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر .

وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر.


أخرجه الإمام أحمد والشيخان.

وفي رواية لهما عن أبي ذر : قال صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: يا جبريل ! وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر .

الخامس: عن جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن مات يشرك به دخل النار أخرجه مسلم ، وعبد بن حميد في مسنده.

السادس: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة رواه الإمام أحمد .

السابع: عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي رواه الطبراني .

الثامن: عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن توعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار رواه البزار وأبو يعلى .

التاسع: عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس، [ ص: 1293 ] وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأمسكنا عن الشهادة ، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .

وفي رواية لابن أبي حاتم : فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله عز وجل.

العاشر: عن علي بن أبي طالب - عليه السلام - قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.

الحادي عشر: عن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي.

يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.

يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة
رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وروى نحوه الإمام أحمد عن أبي ذر ، ولفظه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله عز وجل يقول: يا عبدي! ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، ويا عبدي! إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة .

والأحاديث في ذلك متوافرة، ويكفي هذا المقدار.

[ ص: 1294 ] ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما أي: افترى واختلق، مرتكبا إثما لا يقادر قدره، ويستحقر دونه جميع الآثام، فلا تتعلق به المغفرة قطعا.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الجواب الكافي": الشرك بالرب تعالى نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته، وجعل آلهة أخرى معه، وشرك به في معاملته، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره، وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره، فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه وتعالى ربوبيته وملكه، وجعل له ندا، وهذا أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل.

وقال بعد ذلك: وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السماوات والأرض؛ ليعرف ويعبد ويوحد ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] وقال تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [الحجر: من الآية 85] وقال تعالى: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنـزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما [الطلاق: 12] وقال تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم [المائدة: 97] فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، [ ص: 1295 ] وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، كما قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنـزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: من الآية 25] فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، ومن أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه، وإن الشرك ظلم عظيم، كما قال تعالى: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: من الآية 13]، فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات.

فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به تفاصيله تعرف به أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، فيما فرض على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي، فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود، وكان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة - فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه.

ووقعت مسألة: وهي أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى، وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء، كحال الملوك، فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية وإنما قصد تعظيمه.

وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني وتدخلني عليه، فهو المقصود، وهذه وسائل وشفعاء، [ ص: 1296 ] فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى ومخلدا في النار وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم؟ وترتب على هذا سؤال آخر: وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقريب إليه بالشفعاء والوسائط؟ فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول، يمتنع أن تأتي به شريعة، بل جاءت بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السبب في كونه لا يغفره من دون سائر الذنوب؟ كما قال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فتأمل هذا السؤال، واجمع قلبك وذهنك على جوابه، ولا تستهونه فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنة وأهل النار.

فنقول (وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد المعونة والتسديد، فإنه من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع):

الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والشرك الأول نوعان:

أحدهما: شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وما رب العالمين [الشعراء: من الآية 23]؟ وقال تعالى مخبرا عنه أنه قال: وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: من الآية 37] فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكن عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي ترجع إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:

تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، [ ص: 1297 ] وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.

ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، ولا ههنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وإنه لم يكن معدوما أصلا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، يسمونها العقول والنفوس.

ومن هنا أشرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسما ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث