الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب كتاب القاضي إلى القاضي

جزء التالي صفحة
السابق

باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره

أراد بغيره قوله والمرأة تقضي إلخ ( القاضي يكتب إلى القاضي في ) كل حق به يفتي استحسانا ( غير حد وقود ) للشبهة [ ص: 433 ] ( فإن شهدوا على خصم حاضر حكم بالشهادة وكتب بحكمه ) ليحفظ ( و ) كتاب الحكم ( وهو السجل الحكمي ) أي الحجة التي فيها حكم القاضي هذا في عرفهم وفي عرفنا كتاب كبير تضبط فيه وقائع الناس ( وإن لم يكن الخصم حاضرا لم يحكم ) لأنه حكم على الغائب ( وكتب الشهادة ) إلى قاض يكون الخصم في ولايته ( ليحكم ) القاضي ( المكتوب إليه بها على رأيه وإن كان مخالفا لرأي الكاتب ) لأنه ابتداء حكم ( وهو ) نقل الشهادة حقيقة ويسمى ( الكتاب الحكمي ) وليس بسجل ( وقرأ ) الكتاب ( عليهم ) أو أعلمهم بما فيه ( وختم عندهم ) أي عند شهود الطريق [ ص: 434 ] ( وسلم الكتاب إليهم بعد كتابة عنوانه في باطنه ) وهو أن يكتب فيه اسمه واسم المكتوب إليه وشهرتهما ( فلو كان ) العنوان ( على ظاهره لم يقبل ) قيل هذا في عرفهم وفي عرفنا يكون على الظاهر فيعمل به واكتفى الثاني بأن يشهدهم أنه كتابه وعليه الفتوى كما في العزمية عن الكفاية وفي الملتقى وليس الخبر كالعيان ( فإذا وصل إلى المكتوب إليه نظر إلى ختمه ) أولا ( ولا يقبله ) أي لا يقرؤه ( إلا بحضور الخصم وشهوده ) ، و لا بد من إسلام شهوده ولو كان لذمي على ذمي لشهادتهم على فعل المسلم ( إلا إذا أقر الخصم فلا حاجة إليهم ) أي الشهود

-

التالي السابق


باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره

هذا أيضا من أحكام القضاء غير أنه لا يتحقق في الوجود إلا بقاضيين ، فهو كالمركب بالنسبة لما قبله فتح وهذا أولى من قول الزيلعي إنه ليس من كتاب القضاء لأنه إما نقل شهادة أو نقل حكم : نعم هو من عمل القضاة فكان ذكره فيه أنسب ا هـ وحيث كان من عملهم فكيف ينفيه بحر وأجاب في النهر بأن المنفي كونه قضاء والمثبت كونه من أحكامه .

( قوله وغيره ) عطف على كتاب ط .

( قوله إلى القاضي ) أي البعيد بمسافة يأتي بيانها وأفاد أن قاضي مصر يكتب إلى مثله وإلى قاضي الرستاق ، بخلاف العكس وفيه خلاف يأتي قال في الفتح : ولو كتب القاضي إلى الأمير الذي ولاه أصلح الله الأمير ثم قص القصة وهو معه في المصر فجاء به ثقة يعرفه الأمير ففي القياس لا يقبل لأن إيجاب العمل بالبينة ، ولأنه لم يذكر اسمه واسم أبيه . وفي الاستحسان يقبل لأنه متعارف ولا يليق بالقاضي أن يأتي في كل حادثة إلى الأمير ليخبره ، ولو أرسل رسولا ثقة كان كالمرسل في جواز العمل به ، فكذا إذا أرسل كتابه ولم يجر الرسم في مثله من مصر إلى مصر فشرطنا هناك كتاب القاضي إلى القاضي ا هـ أي شرطنا ذلك فيما إذا كان الأمير في مصر آخر وقد أسقط في البحر والنهر من عبارة الفتح قوله ولم يجر الرسم في مثله من مصر إلى مصر فاختل نظام الكلام فافهم .

( قوله كل حق ) من نكاح وطلاق وقتل موجبه مال وأعيان ولو منقولة وهو المروي عن محمد وعليه المتأخرون ، وبه يفتى للضرورة وفي ظاهر الرواية لا يجوز في المنقول للحاجة إلى الإشارة إليه عند الدعوى والشهادة ، وعن الثاني تجويزه في العبد لغلبة الإباق فيه لا في الأمة وعنه تجويزه في الكل قال الإسبيجابي وعليه الفتوى بحر .

( قوله استحسانا ) والقياس أن لا يجوز لأن كتابته لا تكون أقوى من عبارته وهو لو أخبر القاضي في محله لم يعمل بإخباره فكتابه أولى وإنما جوزناه لأثر علي رضي الله عنه وللحاجة بحر [ ص: 433 ]

( قوله فإن شهدوا على خصم حاضر إلخ ) قال في النهاية المراد بالخصم هو الوكيل عن الغائب أو المسخر الذي جعله أي القاضي وكيلا لإثبات الحق ، ولو كان المراد بالخصم هو المدعى عليه لما احتيج إلى قاض آخر لأن حكم القاضي قد تم على الأول .

أقول : لا يخفى ما فيه من التكلف والأحسن أن يقال : إن قوله فإن شهدوا على خصم ليس بمقصود بالذات في هذا الباب بل توطئة لقوله : وإن شهدوا بغير خصم لم يحكم فيه ، ونظائره كثيرة كذا في الدرر . قلت : وحاصله أنه ليس المراد في هذه المسألة من كتاب القاضي حكمه إلى قاض آخر حتى يراد بالخصم فيها الوكيل أو المسخر بل المراد أن الشهادة عند القاضي تارة تكون على خصم حاضر ، فيحكم بها عليه ويكتب بحكمه كتابا ليحفظ الواقعة لا ليبعثه إلى قاض آخر ، لأن الحكم قد تم وتارة تكون على خصم غائب ، وهي الآتية فهذه ذكرت توطئة لتلك وإلى هذا أشار الشارح بقوله ليحفظ : أي ليحفظ الواقعة وذكر في النهر عن الزيلعي أنه إذا قدر أن الخصم غاب بعد الحكم عليه وجحد الحكم فحينئذ يكتب له ليسلم إليه حقه أو لينفذ حكمه ا هـ . وحاصله أنه قد يحتاج في المسألة الأولى إلى أن يبعث بكتاب حكمه على الخصم الحاضر إلى قاض آخر فيكون ذكرها مقصودا في هذا الباب وأفاد القهستاني أن الكتاب يكون إلى القاضي ، ولو كان الخصم حاضرا وذلك لإمضاء قاض آخر كما إذا ادعى على آخر ألفا وبرهن وحكم به ، ثم اصطلحا أن يأخذه منه في بلد آخر وخاف أن ينكر فكتب به لإمضاء قاضي البلد .

( قوله هو السجل ) بكسر السين والجيم وتشديد اللام والضمتان مع التشديد والفتح مع سكون الجيم والكسر لغات قهستاني عن الكشاف .

( قوله التي فيها حكم القاضي ) بيان للنسبة في قوله الحكمي وشمل ما إذا كان إلى قاض آخر أو لا .

( قوله وكتب الشهادة ) أي بعد ما سمعها وعدلت نهر .

( قوله وإن كان مخالفا لرأي الكاتب إلخ ) أي بخلاف السجل فإنه ليس له أن يخالفه وينقض حكمه لأن السجل محكوم به دون الكتاب ولهذا له أن لا يقبل الكتاب دون السجل كما في البحر عن منية المفتي وقوله في النهر ولم أجده فيها مبني على ما في نسخته وإلا فقد وجدته في نسختي وفي الفتح : والكتاب الحكمي لا يلزم العمل إذا كان يخالفه لأنه لم يقع حكم في محل اجتهاد فله أن لا يقبله ولا يعمل له .

( قوله ويسمى الكتاب الحكمي ) هذا في عرفهم نسبوه إلى الحكم باعتبار ما يئول فتح .

( قوله وليس بسجل ) لأن السجل محكوم به بخلاف الكتاب الحكمي .

( قوله وقرأ الكتاب عليهم ) أي على شهود الطريق ولو فسر الضمير هنا وتركه في قوله وختم عندهم ليعود على معلوم لكان أولى ط .

( قوله أو أعلمهم بما فيه ) أي بأخباره لأنه لا شهادة بلا علم المشهود به ، كما لو شهدوا بأن هذا الصك مكتوب على فلان لا يفيد ما لم يشهدوا بما تضمنه من الدين فتح .

قال في البحر : ولا بد لهم من حفظ ما فيه ولهذا قيل ينبغي أن يكون معهم نسخة أخرى مفتوحة ، فيستعينوا منها على الحفظ فإنه لا بد من التذكر من وقت الشهادة إلى وقت الأداء عندهما .

( قوله وختم عندهم ) أي على الكتاب بعد طيه ولا اعتبار للختم في أسفله فلو انكسر خاتم القاضي أو كان الكتاب منشورا لم يقبل ، وإن ختم في أسفله كما في الذخيرة ، وإنما قال عندهم لأنه لا بد أن يشهدوا عنده أن الختم بحضرتهم كما في المغني ، واشتراط الختم ليس [ ص: 434 ] بشرط إلا إذا كان الكتاب في يد المدعي وبه يفتي كما ذكره المصنف قهستاني .

( قوله وسلم الكتاب إليهم ) أي في مجلس يصح حكمه فيه فلو سلم في غير ذلك المجلس لم يصح كما في الكرماني قهستاني قال في النهاية : وعمل القضاة اليوم أنهم يسلمون المكتوب إلى المدعي وهو قول أبي يوسف وهو اختيار الفتوى على قول شمس الأئمة وعلى قول أبي حنيفة يسلم المكتوب إلى الشهود كذا وجدت بخط شيخي ا هـ ثم قال وأجمعوا في الصك أن الإشهاد لا يصح ما لم يعلم الشاهد ما في الكتاب فاحفظ هذه المسألة فإن الناس اعتادوا خلاف ذلك ا هـ سعيدية لكن ينافي دعوى الإجماع ما سيأتي عن أبي يوسف ، وقدم المصنف في باب الاستحقاق لا يحكم بسجل الاستحقاق بشهادة أنه كتاب كذا بل لا بد من الشهادة على مضمونه وكذا ما سوى نقل الشهادة والوكالة ا هـ ومثله في الغرر فهذا صريح في أن كتاب نقل الشهادة والوكالة لا يحتاج للشهادة على مضمونه ومقتضاه أنه لا حاجة لقراءته على الشهود أيضا والظاهر أنه مبني على قول أبي يوسف الآتي تأمل .

( قوله وشهرتهما ) أفاد أن الاسم وحده لا يكفي بلا شهرة بكنية ونحوها قال في الفتح : ولو كان العنوان من فلان إلى فلان أو من أبي فلان إلى أبي فلان لا يقبل ، لأن مجرد الاسم أو الكنية لا يتعرف به إلا أن تكون الكنية مشهورة مثل أبي حنيفة وابن أبي ليلى وكذلك النسبة إلى أبيه فقط كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وقيل هذا رواية وفي سائر الروايات لا تقبل الكنية المشهورة لأن الناس يشتركون فيها ويشتهر بها بعضهم فلا يعلم أن المكتوب إليه هو المشهور بها أو غيره بخلاف ما لو كتب إلى قاضي بلدة كذا فإنه في الغالب يكون واحدا فيحصل التعريف بالإضافة إلى محل ولايته ا هـ ملخصا .

قال في النهر : ويكتب فيه اسم المدعي والمدعى عليه وجدهما ، ويذكر الحق والشهود إن شاء وإن شاء اكتفى بذكر شهادتهم ومن الشروط أن يكتب فيه التاريخ فلو لم يكتبه لا يقبل ا هـ أي ليعلم أنه كان قاضيا حال الكتابة كما في الفتح .

( قوله واكتفى الثاني إلخ ) الذي في العزمية عن الكفاية هو عبارة النهاية التي ذكرناها آنفا وعبارة الملتقى هكذا وأبو يوسف لم يشترط شيئا من ذلك سوى شهادتهم أنه كتابه لما ابتلي بالقضاء ، واختار السرخسي قوله وليس الخبر كالعيان ا هـ أي أن أبا يوسف باشر القضاء مدة مديدة فاختار ذلك لما عاين المشقة في الشروط المارة ، فلذا اختار السرخسي قوله : وظاهره أن الختم ليس بشرط عنده وظاهر الفتح أنه رواية عنه قال : ولا شك عندي في صحته فإن الفرض عدالة حملة الكتاب فلا يضر عدم ختمه مع شهادتهم أنه كتابه نعم إذا كان الكتاب مع المدعي ينبغي اشتراط الختم لاحتمال التغيير إلا أن يشهدوا بما فيه حفظا .

( قوله أي لا يقرؤه ) أشار إلى ما في البحر عن الفتح من أن المراد من عدم قبوله بلا خصم عدم قراءته لا مجرد قبوله لأنه لا يتعلق به حكم ا هـ .

( قوله إلا بحضور الخصم وشهوده ) أي شهود أنه كتاب فلان القاضي وأنه ختمه نهر وزاد بعد هذا في الكنز فإن شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه وقرأه علينا وختمه فتحه القاضي وقرأه على الخصم وألزمه بما فيه قال في البحر : يعني إذا ثبتت عدالتهم بأن كان يعرفهم بها أو وجد في الكتاب عدالتهم أو سأل من يعرفهم من الثقات فزكوا وأما قبل ظهور عدالتهم فلا يحكم به ولا يلزم الخصم ثم ذكر قول أبي يوسف المار .

( قوله لشهادتهم على فعل المسلم ) وهو أنه كتب الكتاب وختمه وقرأه عليهم وسلمه إليهم .

( قوله إلا إذا أقر الخصم ) أي بأنه كتاب [ ص: 435 ] فلان القاضي



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث