الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وجه آخر من الأمر :

* قال أبو عبد الله : ووجه آخر من الأمر مخرجه مخرج أمر التعبد ، وليس به ، وذلك كقول نوح لقومه : ( إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) ، [ ص: 562 ] فهذا ظاهره أمر ، وهو في المعنى نهي ، لأنهم لو فعلوا ما أمرهم به ، كانوا عاصين لله ، وله ، ولم يأمرهم بذلك ليطيعوه ، ولكن أخبرهم بهوانهم عليه ، وصغر قدرتهم عنده ، وأنهم لا يقدرون على ضره ، ولا إيذائه ، إلا بأمر ربه ، وذلك لقوة توكله على ربه ، وفي ذلك دليل على تفاضل المؤمنين ، والصالحين من الأنبياء وغيرهم في التوكل ، ألا ترى إلى قول لوط لما أراده قومه ، وقصدوا له بالأذى : ( لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) قيل في التفسير : إلى جمع ، وعشيرة ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " صلوات الله على أخي لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد " ، وقد كان معه [ ص: 563 ] جبريل ، والملائكة ، وهو لا يشعر ، ولو لم يكونوا معه لكان في كون الله معه كفاية ، وقد كان بالله واثقا ، عليه متوكلا ، ولكنها حالات يخص الله عباده العارفين بما يشاء من تأييده ، ولقد كان باين قومه ، غضبا لله أن يعصي ، ويخالف أمره توكلا على الله ، غير أن الذي حكى الله عن نوح ، وهود يدل على فضل توكلهما ، وقوتهما ، وحكى عن نوح ما قد ذكرناه ، وعن هود أنه قال لقومه ، وهم يريدونه قد باينوه بالعداوة ، فقال لهم : ( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ) ، ثم أخبرهم بهوانهم عليه ، كما فعله نوح ، فقال : ( فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ) ، أي أعجلوا علي ، ثم أخبرهم بالذي حمله على هذا القول ، وقوله عليهم ، وهون شأنهم عنده حتى سألهم أن يجتمعوا له ، ولا ينظروه ، وذلك موجود في كلام العرب ، ومخاطباتهم إذا هان القوم على القوم ، قالوا لهم : اجتمعوا ، واجتهدوا ، ولا تخزوا ما تريدون ، فأخبرهم ما الذي شجع قلبه ، وهون عليه كيدهم ، فقال على إثر قوله هذا : ( إني توكلت على الله ربي وربكم ) ، ثم أخبر بالذي أورث قلبه التوكل ، وثبته عليه ، فقال : ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) ، فلم يخبر أنه شجع قلبه قوة بدنه ، ولا ناصر من الخلق يرجو نصره ، ولكن توكلا على ربه ، وأن الذي بعثه على التوكل معرفته بربه ، وأن النواصي كلها بيده ، وأنه لا يكون شيء [ ص: 564 ] إلا بإرادته ، ونحو ذلك قول موسى للسحرة : ( ألقوا ما أنتم ملقون ) ، أي العاقبة يكون لي ، وعليكم يكون الدائرة ، ثقة منه بربه ، وتوكلا عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية