الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: فما لكم في المنافقين فئتين في سبب نزولها سبعة أقوال . [ ص: 153 ] أحدها: أن قوما أسلموا ، فأصابهم وباء بالمدينة وحماها ، فخرجوا فاستقبلتهم نفر من المسلمين ، فقالوا: ما لكم خرجتم؟ قالوا: أصابنا وباء بالمدينة ، واجتويناها ، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا ، وقال بعضهم: لم ينافقوا ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد ، رجع ناس ممن خرج معه ، فافترق فيهم أصحاب رسول الله ، ففرقة تقول: نقتلهم ، وفرقة تقول: لا نقتلهم ، فنزلت هذه الآية . هذا في "الصحيحين" من قول زيد بن ثابت .

                                                                                                                                                                                                                                      والثالث: أن قوما كانوا بمكة تكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون المشركين ، [ ص: 154 ] فخرجوا من مكة لحاجة لهم ، فقال قوم من المسلمين: اخرجوا إليهم ، فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عدوكم . وقال قوم: كيف نقتلهم وقد تكلموا بمثل ما تكلمنا به؟ فنزلت هذه الآية ، رواه عطية عن ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                                      والرابع: أن قوما قدموا المدينة ، فأظهروا الإسلام ، ثم رجعوا إلى مكة ، فأظهروا الشرك ، فنزلت هذه الآية ، هذا قول الحسن ، ومجاهد .

                                                                                                                                                                                                                                      والخامس: أن قوما أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة ، فاختلف المؤمنون فيهم ، فنزلت هذه الآية ، وهذا قول الضحاك .

                                                                                                                                                                                                                                      والسادس: أن قوما من المنافقين أرادوا الخروج من المدينة ، فقالوا للمؤمنين: إنه قد أصابتنا أوجاع في المدينة ، فلعلنا نخرج فنتماثل ، فإنا كنا أصحاب بادية ، فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية . هذا قول السدي .

                                                                                                                                                                                                                                      والسابع: أنها نزلت في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم ، وهذا قول ابن زيد .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى: فما لكم خطاب للمؤمنين . والمعنى: أي شيء لكم في الاختلاف في أمرهم؟ و" الفئة": الفرقة . وفي معنى "أركسهم" أربعة أقوال .

                                                                                                                                                                                                                                      أحدها: ردهم ، رواه عطاء عن ابن عباس . قال ابن قتيبة: ركست [ ص: 155 ] الشيء ، وأركسته: لغتان ، أي: نكسهم وردهم في كفرهم ، وهذا قول الفراء ، والزجاج .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني: أوقعهم ، رواه ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس . والثالث: أهلكهم ، قاله قتادة . والرابع: أضلهم ، قاله السدي .

                                                                                                                                                                                                                                      فأما الذي كسبوا ، فهو كفرهم ، وارتدادهم . قال أبو سليمان: إنما قال: أتريدون أن تهدوا من أضل الله ، لأن قوما من المؤمنين قالوا: إخواننا ، وتكلموا بكلمتنا .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: فلن تجد له سبيلا فيه قولان . أحدهما: إلى الحجة ، قاله الزجاج . والثاني: إلى الهدى ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية