الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم

ولما كان ذلك خالعا للقلوب، وكان الإنسان إذا اعتقد البعث قد يقول تهاونا ببعض المعاصي: المرجع إلى كريم ولا يفعل بي إلا خيرا، أنتج قوله مناديا بأداة البعد لأن أكثر الخلق مع ذلك معرض، منكرا سبحانه وتعالى على من يقول هذا اغترارا بخدع الشيطان إنكارا يهد [ ص: 302 ] الأركان: يا أيها الإنسان أي البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه ما غرك أي أدخلك في الغرة، وهي أن ترى فعلك القبيح حسنا أو ترى أنه يعفى عنك لا محالة، وذلك بمعنى قراءة سعيد بن جبير والأعمش: أغرك - بهمزة الإنكار، وتزيد المشهورة معنى التعجب بربك أي المحسن إليك الذي أنساك إحسانه ما خلقت له من خلاص نفسك بعمل ما شرعه لك.

ولما كان التعبير بالرب مع دلالته على الإحسان يدل على الانتقام عند الإمعان في الإجرام لأن ذلك شأن المربي، فكان ذلك مانعا من الاغترار لمن تأمل، أتبعه ما هو كذلك أيضا ظاهره لطف وباطنه جبروت وقهر، فقال للمبالغة في المنع عن الاغترار، الكريم أي الذي له الكمال كله المقتضي لئلا يهمل الظالم بل يمهله، ولا يسوي بين المحسن والمسيء والموالي والمعادي والمطيع والعاصي، المقتضي لأن يبالغ في التقرب إليه بالطاعة شكرا له، وأن لا يعرض أحد عنه لأن بيده كل شيء ولا شيء بيد غيره، فيجب أن يخشى شدة بطشه لأنه كذلك يكون المتصف بالكرم لا يكون إلا عزيزا، فإنه يكون شديد الحلم عظيم السطوة عند انتهاك حرمته بعد ذلك الحلم فإنه يجد أعوانا كثيرة على مراده، ولا يجد المعاقب عذرا في تقصيره بخلاف اللئيم [ ص: 303 ] فإنه لا يجد أعوانا فلا يشتد أخذه، [فصار - ] الإنكار بواسطة هذين الوصفين أشد وأغلظ من هذه الجهة، ومن جهة أنه كان ينبغي أن يستحيي من المحسن الذي لا تكدير في إحسانه بوجه، فلا يعصى له أمر ولا يفرط [له - ] في حق، ومع ذلك ففي ذكر هذين الوصفين تلقين الحجة، قال أبو بكر الوراق: لو سألني لقلت: غرني كرم الكريم وحلمه، وقال علي رضي الله عنه: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، وقال الإمام الغزالي في شرحه للأسماء: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجا، ولا يبالي لمن أعطى ولا كم أعطى، وإذا رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفى عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به وإليه التجأ، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث