الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة المائدة

سورة المائدة

81 - قوله : واخشون اليوم بحذف الياء ، وكذلك : واخشون ولا تشتروا . وفي البقرة وغيرها : واخشوني بالإثبات ؛ لأن الإثبات هو الأصل ، [ ص: 100 ] وحذفت الياء من واخشون اليوم من الخط لما حذفت من اللفظ ، وحذفت من واخشون ولا تشتروا موافقة لما قبلها .

82 - قوله : واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ، ثم أعاد فقال : واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ؛ لأن الأول وقع على النية وهي بذات الصدور ، والثاني على العمل .

وعن ابن كثير : أن الأولى نزلت في اليهود ، وليس بتكرار .

83 - قوله : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم . وقال في سورة الفتح : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما . رفع ما في هذه السورة موافقة لفواصل الآي ، ونصب ما في الفتح موافقة للفواصل أيضا ، ولأنه في الفتح مفعول " وعد " .

وفي مفعول " وعد " في هذه السورة أقوال :

أحدها : محذوف دل عليه " وعد " ، خلاف ما دل عليه " أوعد " ، أي : خيرا . وقوله : لهم مغفرة يفسره . وقيل : لهم مغفرة جملة وقعت موقع المفرد ، ومحلها نصب كما قال الشاعر :


وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعينا سلسبيلا



فعطف " جنات " على محل " لهم جزاء " . وقيل : رفع على الحكاية ؛ لأن الوعد قول ، وتقديره : قال الله : لهم مغفرة . وقيل : تقديره : إن لهم مغفرة . فحذف إن فارتفع ما بعده .

[ ص: 101 ] 84 - قوله : يحرفون الكلم عن مواضعه ، وبعده : يحرفون الكلم من بعد مواضعه ؛ لأن الأولى في أوائل اليهود ، والثانية فيمن كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي : حرفوها بعد أن وضعها الله مواضعها ، وعرفوها ، وعملوا بها زمانا .

85 - قوله : ونسوا حظا مما ذكروا به كرر لأن الأولى في اليهود ، والثانية في حق النصارى ، والمعنى : لم ينالوا منه نصيبا . وقيل : معناه : ونسوا نصيبا . وقيل : معناه : تركوا بعض ما أمروا به .

86 - قوله : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم . . . ، ثم كررها فقال : يا أهل الكتاب ؛ لأن الأولى نزلت في اليهود حين كتموا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وآية الرجم من التوراة ؛ والنصارى حين كتموا بشارة عيسى بمحمد - صلى الله عليه وسلم - في الإنجيل ، وهو قوله : يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب . ثم كرر فقال : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه فكرر : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ، أي : [ ص: 102 ] شرائعكم ، فإنكم على ضلال لا يرضاه الله على فترة من الرسل : على انقطاع منهم ودروس مما جاءوا به ، والله أعلم .

87 - قوله : ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء . ثم كرر فقال : ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير كرر ؛ لأن :

الأولى : نزلت في النصارى حين قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم ، فقال : ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، ليس فيهما معه شريك ، ولو كان عيسى إلها لاقتضى أن يكون معه شريكا ، ثم من يذب عن المسيح وأمه وعمن في الأرض جميعا إن أراد إهلاكهم ، فإنهم كلهم مخلوقون له ، وإن قدرته شاملة عليهم ، وعلى كل ما يريد بهم .

والثانية : نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، فقال : ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، والأب لا يملك ابنه ، ولا يهلكه ، ولا يعذبه ، وأنتم مصيركم إليه ، فيعذب من يشاء منكم ، ويغفر لمن يشاء .

[ ص: 103 ] 88 - قوله : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا . . . ، وقال في سورة إبراهيم : وإذ قال موسى لقومه اذكروا . . . ؛ لأن تصريح اسم المخاطب مع حرف الخطاب يدل على تعظيم المخاطب به ، ولما كان ما في هذه السورة نعما جساما ما عليها من مزيد ، وهو قوله : جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، صرح فقال : " يا قوم " ، ولموافقته ما قبله وما بعده من النداء ، وهو قوله : يا قوم ادخلوا ، و يا موسى إنا ، ولم يكن ما في إبراهيم بهذه المنزلة ، فاقتصر على حرف الخطاب .

89 - قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله كرره ثلاث مرات ، وختم الأولى بقوله : فأولئك هم الكافرون ، والثانية بقوله : فأولئك هم الظالمون ، والثالثة بقوله : فأولئك هم الفاسقون ، قيل : لأن الأولى نزلت في حكام المسلمين ، والثانية في حكام اليهود ، والثالثة في حكام النصارى . وقيل : الكافر والفاسق والظالم كلها بمعنى واحد ، وهو الكفر ، عبر عنه بألفاظ مختلفة لزيادة الفائدة ، واجتناب صورة التكرار .

وقيل : ومن لم يحكم بما أنزل الله إنكارا له فهو كافر ، ومن لم يحكم بالحق مع اعتقاده حقا وحكم بضده فهو ظالم ، ومن لم يحكم بالحق جهلا وحكم بضده فهو فاسق . وقيل : ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر بنعمة الله ، ظالم في حكمه ، فاسق في فعله .

90 - قوله : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة كرر لأن النصارى اختلفت أقوالهم :

[ ص: 104 ] فقالت اليعقوبية : إن الله تعالى ربما تجلى في بعض الأزمان في شخص ، فتجلى يومئذ في شخص عيسى ، فظهرت منه المعجزات .

وقالت الملكية : إن الله اسم يجمع أبا وابنا وروح القدس ، اختلفت بالأقانيم ، والذات واحدة ، فأخبر الله - عز وجل - أنهم كلهم كفار .

91 - قوله : لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ، ذكر في هذه السورة هذه الخلال جملة ، ثم فصل لأنها أول ما ذكرت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث