الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى مالك يوم الدين

جزء التالي صفحة
السابق

( مالك يوم الدين

قرأ عاصم والكسائي ويعقوب : " مالك " والباقون " ملك " وعليها أهل الحجاز والفرق بينهما أن المالك ذو الملك بكسر الميم ، والملك ذو الملك بضمها ، والقرآن يشهد للأولى بمثل قوله : ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ) ( 82 : 19 ) وللثانية بقوله : ( لمن الملك اليوم ) ( 40 : 16 ) قال بعضهم : إن قراءة ملك أبلغ ؛ لأن هذا اللفظ يفهم منه معنى السلطان والقوة والتدبير . قال آخرون : إن القراءة الأخرى أبلغ ؛ لأن الملك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة ، ولا تصرف له بشيء من شئونهم الخاصة ، والمالك سلطته أعم ، فلا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شئونه دون سلطانه .

وأقول الآن : الظاهر أن قراءة " ملك " أبلغ ؛ لأن معناها المتصرف في أمور العقلاء المختارين بالأمر والنهي والجزاء ، ولهذا يقال : ( ملك الناس ) ولا يقال ملك الأشياء . قاله الراغب . وقال في ( ملك يوم الدين ) تقديره الملك في يوم الدين ؛ لقوله : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) ا هـ . وإنما كان هذا أبلغ ؛ لأن السياق يدلنا على أن المراد بالآية تذكير المكلفين بما ينتظرهم من الجزاء على أعمالهم رجاء أن تستقيم أحوالهم ، ومعنى ( مالك يوم الدين ) قد يستفاد من قوله " ( رب العالمين " على أن مجموع القراءتين يدل على المعنيين فكلاهما ثابت ، ولكن القراءة في الصلاة بملك يوم الدين تثير من الخشوع ما لا تثيره القراءة الأخرى التي يفضلها بعضهم ؛ لأنها تزيد حرفا في النطق . وورد في الحديث أن للقارئ بكل [ ص: 46 ] حرف كذا حسنة ، ولكن فاتهم أن حسنة واحدة تكون أكبر تأثيرا في القلب خير من مائة حسنة يكن دونها في التأثير .

و ( الدين ) يطلق في اللغة على الحساب وعلى المكافأة ، وورد " كما تدين تدان " وقال الشاعر :


ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا



وعلى الجزاء وهو قريب من معنى المكافأة ، وعلى الطاعة ، وعلى الإخضاع ، وعلى السياسة ؛ يقال : دنته ، ودينته فلانا ( بالتشديد ) أي وليته سياسته ، وهو قريب من معنى الإخضاع ، وعلى الشريعة : ما يؤخذ العباد به من التكاليف . والمناسب هنا من هذه المعاني الجزاء والخضوع وإنما قال " يوم الدين " ولم يقل " الدين " لتعريفنا بأن للدين يوما ممتازا عن سائر الأيام ، وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله ويوفى جزاءه .

ولسائل أن يسأل : أليست كل الأيام أيام جزاء . وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق والقيام بالواجبات التي عليهم ؟ والجواب : بلى إن أيامنا التي نحن فيها قد يقع فيها الجزاء على أعمالنا ، ولكن ربما لا يظهر لأربابه إلا على بعضها دون جميعها . والجزاء على التفريط في العمل الواجب إنما يظهر في الدنيا ظهورا تاما بالنسبة إلى مجموع الأمة لا إلى كل فرد من الأفراد ، فما من أمة انحرفت عن صراط الله المستقيم ولم تراع سننه في خليقته إلا وأحل بها العدل الإلهي ما تستحق من الجزاء كالفقر والذل وفقد العزة والسلطة . وأما الأفراد فإننا نرى كثيرا من المسرفين الظالمين يقضون أعمارهم منغمسين في الشهوات واللذات ، نعم إن ضمائرهم توبخهم أحيانا وإنهم لا يسلمون من المنغصات ، [ ص: 47 ] وقد يصيبهم النقص في أموالهم ، وعافية أبدانهم ، وقوة عقولهم . ولكن هذا كله لا يقابل بعض أعمالهم القبيحة ، لا سيما الملوك والأمراء الذين تشقى بأعمالهم السيئة أمم وشعوب . كذلك نرى من المحسنين في أنفسهم وللناس من يبتلى بهضم حقوقه ، ولا ينال الجزاء الذي يستحقه على عمله ، فإن كان قد ينال رضاء نفسه وسلامة أخلاقه وصحة ملكاته ، فما ذلك كل ما يستحق ، وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العالمين جزاءه كاملا لا يظلم شيئا منه ، كما قال تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ( 99 : 7 - 8 )

علمنا الله أنه رحمن رحيم ليجذب قلوبنا إليه ، ولكن هل يشعر كل عباده بهذه المنة فينجذبوا إليه الانجذاب المطلوب ؟ أليس فينا من يسلك كل سبيل لا يبالي بمستقيم ومعوج ؟ بلى ، ولهذا أعقب سبحانه ذكر الرحمة بذكر الدين ، فعرفنا أنه يدين العباد ويجازيهم على أعمالهم فكان من رحمته بعباده أن رباهم بنوعي التربية كليهما : الترغيب والترهيب ، كما تشهد بذلك آيات القرآن الكثيرة ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) ( 15 : 49 - 50 ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث