الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 479 ] 602 - باب بيان مشكل حديث ابن مسعود : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ، وما فيه مما هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما فيه مما هو من كلام ابن مسعود .

3861 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، قال : حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديثه

الذي حدثناه ، فقال فيه : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ومحمد بن كثير العبدي ، قالا : حدثنا شعبة ، عن سليمان الأعمش ، قال : حدثنا زيد بن وهب ، قال : حدثنا عبد الله بن مسعود بمثل حديثه

الذي حدثناه .

قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا شعبة عن الأعمش ، قال : سمعت زيد بن وهب ، قال : سمعت عبد الله يقول : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وأربعين ليلة دما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم [ ص: 480 ] يبعث إليه ملك ، فيؤمر أن يكتب رزقه ، وأجله ، وشقي أو سعيد ، فوالله إن أحدكم ليعمل بأعمال أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيغلب عليه ، فيعمل بأعمال أهل النار ، فيدخل النار ، وإن أحدكم ليعمل بأعمال أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيغلب عليه ، فيعمل بأعمال أهل الجنة ، فيدخل الجنة .

3862 - وحدثنا يزيد وإبراهيم بن مرزوق ، قالا : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، وأبي جميعا ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود ، غير أن أبي لم يرفعه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، ثم ذكر نحوه .

3863 - حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، قال : سمعت زيد بن وهب ، يقول : سمعت ابن مسعود ، يقول : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق .

[ ص: 481 ]

3864 - وحدثنا عبد الملك ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، قال : حدثنا زيد بن وهب الجهني ، قال : حدثنا عبد الله بن مسعود ، قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق ، ثم ذكر مثله ، إلا أنه قال : فيسبق عليه الكتاب الذي سبق . في الموضعين جميعا منه ، ولم يقل : فيغلب عليه .

3865 - حدثنا يزيد ، قال : حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا زهير بن معاوية ، قال : حدثنا سليمان الأعمش ، عن زيد بن وهب ، قال : سمعت عبد الله بن مسعود ، يقول : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق ، ثم ذكر مثله ، إلى أن انتهى إلى : وشقي أم سعيد . فقال بعقب ذلك : ثم ينفخ فيه الروح ، قال زهير : وأراه قال : وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، ثم ذكر بقية الحديث .

[ ص: 482 ]

3866 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا زيد بن وهب ، قال : حدثنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق ، إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك بأربع كلمات ، فيكتب عمله ، وأجله ، ورزقه ، وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ، فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخل الجنة ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخل النار .

قال أبو جعفر : هكذا روى الأعمش هذا الحديث عن زيد ، وقد رواه أيضا عن زيد سلمة بن كهيل .

[ ص: 483 ]

3867 - كما حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير ، قال : حدثنا فطر بن خليفة ، قال : حدثنا سلمة بن كهيل ، عن زيد بن وهب ، قال : حدثنا عبد الله بن مسعود ، يقول : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق : إن خلق أحدكم يكون في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم ينفخ فيه الروح ، ثم يبعث الله عز وجل ملكا بأربع كلمات ، فيكتب أجله ، ورزقه ، وسعيد هو أو شقي ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيدركه الكتاب السابق ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ، فيدركه الكتاب السابق ، فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخل الجنة .

قال أبو جعفر : فكان هذا موافقا لما رواه الأعمش عليه ، عن زيد .

3868 - وحدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا فطر بن خليفة ، عن سلمة بن كهيل ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله ، قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق ، ثم ذكر مثله ، إلى قوله : وشقي أو سعيد ، فقال بعقب ذلك : قال عبد الله : والذي نفس عبد الله بيده ، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ، ثم [ ص: 484 ] ذكر بقية الحديث .

فكان في هذا إضافة ما فيه من عمل الرجل بعمل أهل الجنة إلى آخره إلى كلام عبد الله بن مسعود به ، وإخراجه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي في هذا الحديث .

3869 - وقد حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا فطر بن خليفة ، عن سلمة بن كهيل ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، ثم ذكر مثله ، إلا أنه قال بعد قوله : وشقي أو سعيد : فوالذي نفس محمد بيده ، ثم ذكر بقيته .

قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ما قد دل على أن هذا الكلام إلى آخر هذا الحديث من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من كلام ابن مسعود ; لأنه لا يجوز أن يكون ذلك الحلف من عبد الله بن مسعود كما فيه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ ميت ; لأنه إنما يحلف بأنفس الأحياء ، لا بأنفس الأموات ، وقد وجدنا هذا الحديث من رواية جرير بن حازم ، عن الأعمش ، بما يدل أن هذا الكلام من كلام ابن مسعود ، لا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 485 ]

3870 - كما قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال حدثني جرير بن حازم ، عن سليمان بن مهران ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون النطفة في الرحم أربعين ليلة نطفة ، وأربعين ليلة علقة ، وأربعين ليلة مضغة ، ثم يبعث إليه ملك ، فيؤمر بأربع كلمات : برزقه ، وأجله ، وشقي أو سعيد ، فوالذي نفس ابن مسعود بيده ، إن الرجل ليعمل بعمل ... ثم ذكر مثله .

فعقلنا بذلك أن هذا الكلام من كلام ابن مسعود لا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى أي معنى كان هذا الكلام في الحقيقة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من كلام ابن مسعود ، فإنه حق ; لأن ابن مسعود المأمون على ما قال من ذلك ، إن كان قاله ، ولأنا نعلم أنه لم يقل ذلك رأيا ; لأن مثله لا يقال بالرأي ، وأنه إنما قاله توقيفا ، والتوقيف لا يكون إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل في الحديث ما يدل على أخذه كان إياه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأن فيه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيؤمر أن يكتب رزقه ، وأجله ، وشقي أو سعيد ، والشقوة ، والسعادة هما المعنى الذي في بقية هذا الحديث المتنازع فيه أنه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من كلام ابن مسعود ، فإن كان من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو من كلامه ، وإن لم يكن من كلامه ، وكان من كلام ابن مسعود بتوقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه عليه ، كان كذلك أيضا ، وإن كان باستخراجه إياه من الشقوة [ ص: 486 ] والسعادة المذكورين فيه ، فهو كما أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا توقيفا .

قال أبو جعفر : وفي هذا الحديث معنى لم نجده إلا في روايتي زهير وحفص ، عن الأعمش ، وفي رواية بكار ، عن أبي أحمد ، عن فطر ، عن سلمة بن كهيل ، وهو : ثم ينفخ فيه الروح ،

وذلك مما قد روي فيه ، عن أبي العالية .

حدثنا إسماعيل بن إسحاق الكوفي ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي ، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله عز وجل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا . قال : قلت : لأي شيء ضمت هذه العشر إلى الأربعة الأشهر ؟ قال : لأنه ينفخ فيه الروح في هذه العشر .

وقد استدل محمد بن الحسن بذلك في الجارية إذا اشتراها رجل وهي من أولات الحيض ، فتأخر حيضها ، فقال : إذا مضت عليها أربعة أشهر وعشرة أيام حل له منها ما يحل له منها لو حاضت ، قال : لأن [ ص: 487 ] الروح تنفخ في تلك المدة إن كان بها حمل ، فيتبين أن في بطنها ولدا ، فيعف عن وطئها لذلك ، أو لا يتبين ذلك ، فيسعه عنده وطؤها ; لأن أمرها بذلك يغلب على القلوب أنه لا حمل بها معه .

كما حدثنا ابن أبي عمران ، قال : حدثنا محمد بن سماعة عن محمد بن الحسن بهذا القول .

وقد روي ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في الشقوة والسعادة المأمور باكتتابهما في حديث ابن مسعود الذي ذكرنا .

3871 - كما حدثنا بكار بن قتيبة ، ويزيد بن سنان ، قالا : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا وقعت النطفة في الرحم ، أو قال : إذا خلقت النطفة في الرحم ، قال ملك الأرحام وهو معرض : أي رب ما أكتب ؟ فيقضي الله عز وجل إليه أمره ، فيقول : أذكر أم أنثى ؟ فيقضي الله عز وجل إليه أمره ، فيقول : أشقي أم سعيد ؟ فيقضي الله عز وجل إليه أمره ، فيكتب ما هو لاق ، حتى النكبة ينكبها .

[ ص: 488 ]

3872 - كما حدثنا بكار ، قال : حدثنا وهب ، قال : حدثنا أبي ، قال : سمعت يونس بن يزيد ، يحدث عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن هنيدة ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه .

3873 - وكما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن هنيدة ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .

وقد روت عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك أيضا .

3874 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثني الزبير بن عبد الله ، قال : حدثني جعفر بن مصعب ، قال : سمعت عروة بن الزبير يحدث ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله عز وجل حين يريد أن يخلق الخلق ، يبعث ملكا ، فيدخل الرحم ، فيقول : أي رب ، ماذا ؟ [ ص: 489 ] فيقول : غلام أو جارية ، أو ما شاء الله عز وجل أن يخلق في الرحم ، فيقول : أي رب ، شقي أو سعيد ؟ فيقول : شقي أو سعيد ، فيقول : أي رب ، ما رزقه ؟ فيقول : كذا وكذا ، فيقول : أي رب ، ما أجله ؟ فيقول : كذا وكذا ، قال : فيقول : يا رب ، ما خلقه ؟ ما خلائقه ؟ قال : فما شيء إلا يخلق معه في الرحم .

وقد روى حذيفة بن أسيد الغفاري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك أيضا ، مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، فغنينا بذلك عن إعادته هاهنا ، والله عز وجل نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية