الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ

القول في تأويل قوله تعالى:

وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما [92]

وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ أي: ما جاز ولا صح ولا لاق لمؤمن [ ص: 1443 ] قتل أخيه المؤمن، فإن الإيمان زاجر عن ذلك، إلا على وجه الخطأ، فإنه ربما يقع لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية.

قال الزمخشري : فإن قلت: بم انتصب خطأ؟ قلت: بأنه مفعول له، أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده، ويجوز أن يكون حالا، بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، وأن يكون صفة للمصدر: إلا قتلا خطأ.

والمعنى: إن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما، أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم. انتهى.

ومن قتل مؤمنا خطأ أي: بما ذكرنا، فهو - وإن عفي عنه - لكنه لا يخلو عن تقصير في حق الله، ولا يهدر دم المؤمن بالكلية فتحرير رقبة مؤمنة أي: فالواجب عليه - لحق الله - إعتاق نفس محكوم عليها بالإيمان، ولو صغيرة؛ ليعتق الله عنه بكل جزء منها جزءا من النار.

وقد روى الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر ، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتشهدين أن لا إله إلا الله. قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله قالت: نعم. قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال أعتقها وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره.

وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي، عن [ ص: 1444 ] معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أعتقها فإنها مؤمنة أفاده ابن كثير .

لطيفتان:

الأولى: قال الزمخشري : التحرير: الإعتاق، والحر والعتيق: الكريم؛ لأن الكرم في الأحرار، كما أن اللؤم في العبيد، ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه، وقولهم للئيم: عبد، وفلان عبد الفعل أي: لئيم الفعل، والرقبة عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق.

[ ص: 1445 ] الثانية: قيل في حكمة الإعتاق: إنه لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات؛ إذ الرق من آثار الكفر، والكفر موت حكما أومن كان ميتا فأحييناه [الأنعام: من الآية 122] ولهذا منع من تصرف الأحرار، وهذا مشكل؛ إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضا، لكن يحتمل أن يقال: إنما وجب عليه ذلك؛ لأن الله تعالى أبقى للقتال نفسا مؤمنة حيث لم يوجب القصاص فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة، أفاده النسفي.

ودية مسلمة إلى أهله أي: والواجب عليه أيضا لحق ورثة المقتول عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم - دية مؤداة إلى ورثته، يقتسمونها اقتسام الميراث.

وقد بينت السنة مقدارها، وذلك فيما رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن كتابا، وفيه: إن في النفس الدية، مائة من الإبل وفيه: وعلى أهل الذهب ألف دينار .

وروى أبو داود ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتى بقرة، وعلى أهل الشاء ألفى شاة، وعلى أهل الحلل مائتى حلة .

وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وهذه الدية إنا تجب على عاقلة القاتل، لا في ماله.

[ ص: 1446 ] قال الشافعي - رحمه الله -: لم أعلم مخالفا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدية على العاقلة .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقضى أن دية جنينها غرة، عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها.

ورواه أبو داود عن جابر بلفظ: أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دية المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها.

قال: فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا، ميراثها لزوجها وولدها
.

و(العاقلة): القرابات من قبل الأب وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول، وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر؛ لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، ولو لم تكن إبلا، وتضمين العاقلة مخالف لظاهر قوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى [فاطر: من الآية 18] فتكون الأحاديث القاضية بتضمين العاقلة مخصصة لعموم الآية؛ لما في ذلك من المصلحة؛ لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله، لأن تتابع الخطأ لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، كذا في "نيل الأوطار".

قال المهايمي : تجب الدية على كل عاقلة القاتل، وهم عصبته غير الأصول والفروع؛ لأنه لما عفي عن القاتل فلا وجه للأخذ منه، وأصوله وفروعه أجزاؤه، فالأخذ منهم أخذ منه، [ ص: 1447 ] ولا وجه لإهدار دم المؤمن، فيؤخذ من عاقلته الذين يرثونه بأقوى الجهات وهي العصبية؛ لأن الغرم بالغنم، فإن لم يكن له عاقلة أو كانوا فقراء فعلى بيت المال. انتهى.

وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج فأوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته، واحتجوا بوجوه خمسة عقلية، ساقها الفخر الرازي هنا، وكلها مما لا يساوي فلسا، إذ هي من معارضة النص النبوي بالرأي المحض.

اللهم: إنا نبرأ إليك من ذلك، وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة التي بيناها.


دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث