الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ثم لتسألن يومئذ عن النعيم

ولما كان من أهول الخطاب التهديد برؤية العذاب، زاد في التخويف بأنه لأجل أن يكون ما يعذب به العاصي عتيدا، فإذا أوجب السؤال النكال كان حاضرا لا مانع من إيقاعه في الحال، ولو [لم -] يكن حاضرا كان لمن استحقه في مدة إحضاره محال، فقال مفخما بأداة التراخي: ثم أي بعد أمور طويلة عظيمة مهولة جدا لتسألن وعزتنا يومئذ أي [إذ -] ترون الجحيم عن النعيم أي الذي أداكم التكاثر إليه حتى عن الماء البارد في الصيف والحار في [ ص: 232 ] الشتاء هل كان استمتاعكم به على وجه السرف لإرادة الترف أو كان لإرادة القوة للنشأة إلى الخير فلم يخرج عن السرف، فالمؤمن المطيع يسأل سؤال تشريف، والعاصي يسأل سؤال توبيخ وتأفيف، ولام النعيم قد تكون لمطلق الجنس وإليه يشير حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ضاف أبا الهيثم بن التيهان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأطعمهم بسرا ورطبا وسقاهم ماء باردا وبسط لهم بساطا في ظل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إن هذا من النعيم الذي تسألون عنه: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد
" [و -] قد يكون للكمال فيكون من أعلام النبوة كما في حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه عند أحمد من وجه حسن إن شاء الله أنهم قالوا عند نزولها: أي نعيم وإنما هما الأسودان: التمر والماء، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر، قال: "إن ذلك سيكون ". له شاهد عند الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنهما، وعند الطبراني أيضا عن الحسن البصري مرسلا، فقد التحم آخرها بأولها على وجه [هو -] من ألطف الخطاب، وأدق المسالك في النهي عما يجر إلى العذاب، لأن العاقل إذا علم أن بين يديه سؤالا عن كل ما يتلذذ به علم أنه يعوقه [ ص: 233 ] ذلك في زمن السؤال عن لذاذات الجنة العوال الغوال، فكان خوفه من مطلق السؤال مانعا له عن التنعم بالمباح فكيف بالمكروه فكيف ثم كيف بالمحرم؟ فكيف إذا كان السؤال من ملك تذوب لهيبته الجبال؟ فكيف إذا كان السؤال على وجه العتاب؟ فكيف إذا جر إلى العذاب؟ فتأمل كلام خالقك ما ألطف إشاراته وأجل عباراته، في نذاراته وبشاراته - والله أرحم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث