الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر زيد بن عمرو بن نفيل

[ ص: 76 ] ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله

قال موسى بن عقبة : أخبرني سالم أنه سمع أباه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل أسفل بلدح ، وذلك قبل الوحي ، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل وقال : لا آكل مما يذبحون على أنصابهم ، أنا لا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه . رواه البخاري . وزاد في آخره : فكان يعيب على قريش ذبائحهم ، ويقول : الشاة خلقها الله ، وأنزل لها من السماء الماء ، وأنبت لها من الأرض ، ثم تذبحونها على غير اسم الله ؟ إنكارا لذلك وإعظاما له . ثم قال البخاري : قال موسى : حدثني سالم بن عبد الله ، ولا أعلم إلا يحدث به عن ابن عمر : أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه ، فلقي عالما من اليهود ، فسأله عن دينهم ، فقال : إني لعلي أن أدين دينكم ، قال : إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله . قال زيد : ما أفر إلا من غضب الله ، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنا أستطيعه ، فهل تدلني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا . قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم ، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله . فخرج زيد فلقي عالما من النصارى ، فذكر له مثله فقال : لن تكون على ديننا ، حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله . قال : ما أفر إلا من لعنة الله ، فقال له كما قال اليهودي ، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج ، فلما برز رفع يديه فقال : اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم . وهكذا أخرجه البخاري . 50 [ ص: 77 ] وقال عبد الوهاب الثقفي : حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، ويحيى بن عبد الرحمن ، عن أسامة بن زيد ، عن أبيه ، قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حارا وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب ، وقد ذبحنا له شاة فأنضجناها ، فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل ، فحيا كل واحد منهما صاحبه بتحية الجاهلية ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا زيد ما لي أرى قومك قد شنفوا لك ؟ قال : والله يا محمد إن ذلك لبغير نائلة ترة لي فيهم ، ولكني خرجت أبتغي هذا الدين حتى أقدم على أحبار فدك فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به فقلت : ما هذا بالدين الذي أبتغي ، فقدمت الشام فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به ، فخرجت فقال لي شيخ منهم : إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخ بالجزيرة ، فأتيته ، فلما رآني قال : ممن أنت ؟ قلت : من أهل بيت الله ، قال : من أهل الشوك والقرظ ؟ إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك ، قد بعث نبي قد طلع نجمه ، وجميع من رأيتهم في ضلال . قال : فلم أحس بشيء ، قال : فقرب إليه السفرة فقال : ما هذا يا محمد ؟ قال : شاة ذبحت للنصب . قال : ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه قال : فتفرقا . وذكر باقي الحديث .

وقال الليث ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش والله ما منكم أحد على دين إبراهيم غيري . وكان يحيي الموءودة ، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : مه ! لا تقتلها أنا أكفيك مئونتها ، فيأخذها ، فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مئونتها " . هذا حديث صحيح .

وقال محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أسامة بن زيد ، عن [ ص: 78 ] أبيه ، أن زيد بن عمرو بن نفيل مات ، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده " . إسناده حسن .

أنبئت عن أبي الفخر أسعد ، قال : أخبرتنا فاطمة ، قالت : أخبرنا ابن ريذة ، قال : أخبرنا الطبراني ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : أخبرنا عبد الله بن رجاء ، قال : أخبرنا المسعودي ، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد ، عن أبيه ، عن جده ، قال : خرج أبي وورقة بن نوفل يطلبان الدين حتى مرا بالشام ، فأما ورقة فتنصر ، وأما زيد فقيل له : إن الذي تطلب أمامك ، فانطلق حتى أتى الموصل ، فإذا هو براهب ، فقال : من أين أقبل صاحب الراحلة ، قال : من بيت إبراهيم ، قال : ما تطلب ؟ قال : الدين ، فعرض عليه النصرانية ، فأبى أن يقبل ، وقال : لا حاجة لي فيه ، قال : أما إن الذي تطلب سيظهر بأرضك ، فأقبل وهو يقول : لبيك حقا ، تعبدا ورقا ، البر أبغي لا الخال ، وما مهجر كمن قال .

عذت بما عاذ به إبراهم مستقبل القبلة وهو قائم     أنفي لك اللهم عان راغم
مهما تجشمني فإني جاشم ثم يخر فيسجد للكعبة . قال : فمر زيد بالنبي صلى الله عليه وسلم ويزيد بن حارثة ، وهما يأكلان من سفرة لهما ، فدعياه فقال : يا ابن أخي لا آكل مما ذبح على النصب ، قال : فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذاك حتى بعث .

قال : وجاء سعيد بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إن زيدا كان كما رأيت ، أو كما بلغك ، فاستغفر له ؟ قال : " نعم ، فاستغفروا [ ص: 79 ] له ، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده "

وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : كانت قريش حين بنوا الكعبة يتوافدون على كسوتها كل عام تعظيما لحقها ، وكانوا يطوفون بها ، ويستغفرون الله عندها ، ويذكرونه مع تعظيم الأوثان والشرك في ذبائحهم ودينهم كله .

وقد كان نفر من قريش : زيد بن عمرو بن نفيل ، وورقة بن نوفل ، وعثمان بن الحويرث بن أسد ، وهو ابن عم ورقة ، وعبيد الله بن جحش بن رئاب ، وأمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم ، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا : تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض ، فقال قائلهم : تعلمن والله ما قومكم على شيء ، لقد أخطئوا دين إبراهيم وخالفوه ، وما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع ؟ فابتغوا لأنفسكم ، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنصاري والملل كلها ، يتبعون الحنيفية دين إبراهيم ، فأما ورقة فتنصر ، ولم يكن منهم أعدل شأنا من زيد بن عمرو ، اعتزل الأوثان وفارق الأديان إلا دين إبراهيم .

وقال الباغندي : حدثنا أبو سعيد الأشج ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين " .

وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : حدثني هشام ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا [ ص: 80 ] مسندا ظهره إلى الكعبة ، وهو يقول : يا معشر قريش ، والذي نفسي بيده ، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول : اللهم لو أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ، ثم يسجد على راحلته " .

قال ابن إسحاق : فقال زيد في فراق دين قومه :


    أربا واحدا أم ألف رب
أدين إذا تقسمت الأمور     عزلت اللات والعزى جميعا
كذلك يفعل الجلد الصبور

في أبيات .

قال ابن إسحاق : وكان الخطاب بن نفيل عمه وأخوه لأمه يعاتبه ويؤذيه حتى أخرجه إلى أعلى مكة ، فنزل حراء مقابل مكة ، فإذا دخل مكة سرا آذوه ، وأخرجوه ، كراهية أن يفسد عليهم دينهم ، وأن يتابعه أحد . ثم خرج يطلب دين إبراهيم ، فجال الشام والجزيرة ، إلى أن قال ابن إسحاق : فرد إلى مكة حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث