الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 347 ] 61 - باب بيان مشكل ما رواه أبو مسعود عقبة بن عمرو عن رسول الله عليه السلام من قوله : { لا يبقى على الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة }

372 - حدثنا فهد ، حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا مطرف بن طريف ، عن المنهال بن عمرو ، { عن نعيم بن دجاجة قال : كنت جالسا عند علي فجاء أبو مسعود فقال له علي ونهض : يا فريج ، أما إنك تعيي الناس . قال : أما إني أخبرهم أن الآخر فالآخر شر . قال : فحدثنا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المائة ؟ قال : سمعت رسول الله عليه السلام يقول : لا يكون مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ، قال : أخطأت وأخطأت في أول فتواك ، إنما قال ذلك لمن هو يومئذ ، وهل الرخاء أو الفرج إلا بعد المائة } .

فتأملنا ما في هذا الحديث مما حكاه أبو مسعود عن رسول الله عليه السلام ، فإذا هو ما ذكر عنه فيه أنه لا يكون مائة سنة ، وعلى الأرض عين [ ص: 348 ] تطرف ، فكان ظاهر ذلك أنه لا يبقى بعد المائة سنة عين تطرف على فناء الناس جميعا ، وفي فنائهم ذهاب الدنيا .

ووجدنا فيه من كلام علي أن رسول الله عليه السلام إنما كان قصد بكلامه ذلك لمن هو يومئذ على الأرض من الناس ، لا لمن سواهم ، وإتباعه ذلك من قول نفسه ، وهل يكون الرخاء أو الفرج إلا بعد المائة .

فكان في ذلك وقوفه على ما لم يقف عليه أبو مسعود ، مما كان رسول الله عليه السلام قاله ، وكان في ذلك دليل أن الذي كان من النبي عليه السلام هو فناء ذلك القرن بغير نفي منه أن يخلفهم قرون بعضها بعد بعض إلى يوم القيامة .

ثم وجدنا عن ابن عمر ، عن النبي عليه السلام موافقة علي فيما حكاه من مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما حكاه أبو مسعود عنه .

373 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا نوح بن حبيب القومسي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، حدثني سالم ، وأبو بكر بن سليمان ، عن ابن عمر قال : { صلى بنا رسول الله عليه السلام ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قال : أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدهم } .

374 - وكما حدثنا الحسن بن غليب ، حدثنا سعيد بن كثير بن [ ص: 349 ] عفير حدثني الليث بن سعد ، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، وابن سليمان بن أبي حثمة : أن عبد الله بن عمر قال : { صلى لنا رسول الله عليه السلام صلاة العشاء ، ثم ذكر مثله } .

ووجدنا عن جابر أيضا ما يدل على ذلك :

375 - كما قد حدثنا أبو أمية ، حدثنا زكريا بن عدي ، أخبرنا حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر قال : { قال رجل : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ قال : وما سؤالك عن الساعة ، ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة } .

376 - وكما قد حدثنا فهد ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة .

قال سليمان : أراهم ذكروا عنده الساعة } .

[ ص: 350 ] ووجدنا عن أنس أيضا هذا المعنى .

377 - كما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، حدثنا علي بن معبد العبدي ، حدثنا أبو مليح الحسن بن عمر الفزاري ، عن الزهري ، عن أنس قال : { صلى بنا رسول الله عليه السلام ، ثم اتكأ على غلام فقال : رأس مائة سنة لا يبقى أحد ممن هو على ظهر الأرض اليوم حي } .

فقد اتفقت الروايات اللاتي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وائتلفت بأن مراده كان فيما رواه عنه أبو مسعود ، مما ذكرنا معنى موهوما صحيحا ، لا معنى ما ظنه الجاهلون مما قد دفعه العيان ، ولا مما يوهم من توهم من إغفال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما كان قاله في ذلك ؛ لأن نقلهم عنه نقل الجماعة ، ونقل الجماعة بريء من ذلك ، وإنما يكون مثل هذا إذا كان في نقل الآحاد .

فإن قال قائل : فقد كان في باقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضرمون ممن كان في الجاهلية ، وبقي في الإسلام حتى جاوز هذه المدة منهم : أبو عثمان النهدي ، فقد روي في سنه .

ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حميد الطويل قال : سمعت أبا عثمان يقول : أتت علي [ ص: 351 ] ثلاثون ومائة سنة ، ما من شيء إلا نقص سوى أملي .

وله في ذلك أمثال كزر بن حبيش ، وسويد بن غفلة .

كما قد حدثنا أبو أمية ، حدثنا الخضر بن محمد بن شجاع ، حدثنا هشيم قال : توفي زر ، وهو ابن اثنتين وعشرين ومائة ، وتوفي سويد بن غفلة ، وهو ابن سبع وعشرين ومائة سنة . قال هشيم : وبلغني أن أبا عثمان النهدي توفي وهو ابن أربعين ومائة سنة .

فالجواب له في ذلك أن يكون ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ذكره عنه علي وابن عمر ، وجابر ، وأنس ، وأبو مسعود قد يحتمل أن يكون أراد به ممن كان اتبعه لا ممن سواهم ، والله أعلم ما أراد من ذلك ، غير أنه قد يحتمل أن يكون وفاة هؤلاء المعمرين في المائة سنة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجها ، وهو أولى ما حملت عليه هذا المعنى إن شاء الله ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية