الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل تعلل أفعال الله وأحكامه

( وفعله تعالى ) وتقدس ( وأمره لا لعلة ولا لحكمة ) ( في قول ) اختاره الكثير من أصحابنا وبعض المالكية والشافعية . وقاله الظاهرية والأشعرية والجهمية . والقول الثاني : أنهما لعلة وحكمة . اختاره الطوفي ، والشيخ تقي الدين ، وابن القيم ، وابن قاضي الجبل . وحكاه عن إجماع السلف ، وهو مذهب الشيعة والمعتزلة ، لكن المعتزلة تقول بوجوب الصلاح . ولهم في الأصلح قولان . والمخالفون لهم يقولون بالتعليل ، لا على منهج المعتزلة . وجوزت طائفة الأمرين . قال الشيخ تقي الدين : لأهل السنة في تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه قولان ، والأكثرون على التعليل والحكمة : هل هي منفصلة عن الرب تعالى لا تقوم به ، أو قائمة [ به ] مع ثبوت الحكم المنفصل أيضا ؟ لهم فيه قولان .

وهل تتسلسل الحكم أو لا تتسلسل ؟ أو تتسلسل في المستقبل دون الماضي ؟ فيه أقوال . احتج المثبتون للحكمة والعلة بقوله تعالى ( { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } ) وقوله تعالى ( { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } ) وقوله تعالى ( { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم } ) ونظائرها ، ولأنه سبحانه وتعالى حكيم ، شرع الأحكام لحكمة ومصلحة لقوله تعالى ( { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ) والإجماع واقع على اشتمال الأفعال على الحكم والمصالح إما وجوبا كقول المعتزلة ، وإما جوازا كقول أهل السنة فيفعل ما يريد بحكمته . واحتج النافون بوجوه ، أحدها : ما قال الرازي : إن العلة إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل ، وهو محال ، وإن كانت محدثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل . وهو مراد المشايخ بقولهم : كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه .

وأجيب بأن قوله : لو كانت قديمة لزم قدم الفعل : غير مسلم ، إذ لا يلزم من قدمها قدم المعلول . كالإرادة قديمة ومتعلقها [ ص: 100 ] حادث . ولو كانت حادثة لم تفتقر إلى علة أخرى وإنما يلزم لو قيل : كل حادث مفتقر إلى علة . وهم لم يقولوا ذلك . بل قالوا : يفعل لحكمة فإنه لا يلزم من كون الأول مرادا لغيره كون الثاني كذلك وإن كان الثاني [ محدثا ] لم يجب أن يكون الأول كذلك فلا يتسلسل . الوجه الثاني من أوجه النفات : أن كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة ، أو دفع مفسدة . فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى له من عدم تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل تلك الأولوية . وكل من كان كذلك ، كان ناقصا بذاته ، مستكملا بغيره ، وهو في حق الله سبحانه وتعالى محال ، وإن كان تحصيلها وعدمه سواء بالنسبة إليه ، فمع الاستواء لا يحصل الرجحان . فامتنع الترجيح . وأجيب بمنع الحصر ، وبالنقص بالأفعال المتعدية .

كإيجاد العلم . فإن قالوا بخلوه عن النقص . قيل : كذا في التعليل نمنع كونه ناقصا في ذاته ، ومستكملا بغيره في ذاته أو صفات ذاته ، بل اللازم حصول كمالات ناشئة من ، جهة الفعل ، ولا امتناع فيه . فإن كونه محسنا إلى الممكنات من جملة صفات الكمال . وكذا الكمال في كونه خالقا ورازقا على مذهب الأشعري .

الوجه الثالث من أوجه النفات : أنه لو فعل فعلا لغرض . فإن كان قادرا على تحصيله بدون ذلك الفعل . كان توسطه عبثا . وإلا لزم العجز ، وهو ممتنع ، ولأن ذلك الغرض مشروط بتلك الوسيلة ، لكنه باطل ، لأن أكثر الأغراض إنما تحصل بعد انقضاء تلك الوسائل ، فيمتنع اشتراطه .

وأجيب بأن إطلاق الغرض لا يجوز ، لما يوهمه عرفا وليعدل عنه إلى لفظ العلة فيقال : لا نسلم لزوم العبث ، لأن العبث الخالي عن الفائدة والقدرة على الفعل بدون توسط السبب لا يقتضي عبث الفعل وإلا لزم أن تكون الشرعيات عبثا ; لأن الله تعالى قادر على إيصال ما حصلت لأجله من إيصال الثواب بدون توسطها .

وقولهم : " إن لم يقدر على تحصيله لزم العجز " ممنوع ; لأنه إنما يلزم لو أمكن تحصيل ما شرع لأجله بدون الفعل ، وبأن إمكان تحصيله بدون العجز دور

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث